بما أن الرصاصة الأولى انطلقت فهذا يعني أن البقية يصعب ايقافها مهما اعتقد البعض أن الأمر سهلاً، لقد حدث ما كان يخافه الناس، حرب عصابات في قلب العاصمة الخرطوم، أمرٌ أصبح واقعاً ويجب على الجيش أن يمضي قدماً في عملياته مهما كانت النتيجة، فلا خيار سوى الإنتصار أو الاستشهاد، أو ضياع السودان للأبد.
المتمرد حميدتي لم يقرر خوض هذه المقامرة عبثاً، فهناك من وعده بالمدد والسلطة داخلياً وخارجياً، ومن غير أولئك الخونة أبناء السفارات الأجنبية! هؤلاء أول من يجب أن تقام عليهم محاكمة التفتيش، من يطعنون الوطن في ظهره في كل مرة، بدءً بكبيرهم الذي علمهم الخيانة (قحت) مروراً بـ ( ياسر عرمان وقادة المتمردين) وانتهاءً بـ( الدقير) ومن هم على شاكلته ! روسيا أيضاً مدت يدها للمتمرد وميليشياته، مولته بالسلاح وبالدعم اللوجستي، كيف لا و حميدتي ابنها المخلص وأبرز المقاولين لمجموعة “فاغنر” (الذراع العسكري لروسيا خارجياً) فهو المُهرّب الرئيسي لذهب السودان، بل أن هناك العديد من التقارير التي تقول أن حرب أوكرانيا كان تمويلها من ذهب السودان.
في أوقات عصيبة كهذه يكون الحياد خيانة الوقوف مع الجيش واجب وطني وديني حتى وان تطلب الأمر التضحية بنفسك !..مآ لات الحروب يصعب التكهن بها، فها هي اوكرانيا التي اعتقد البعض أنها ستكون وجبة خفيفة للدب الروسي، وقفت كالشوكة في حلقه لأكثر من عام .. ستسوء الأمور أكثر كلّما تأخر انتصار الجيش على الميليشيات ككرة ثلج مدحرجة تكبر شيئاً فشيئاً الى أن تقضي على كل شيء .. لقد عجزت الجيوش النظامية أن تكسب في حرب المدن والعصابات، هذا ما درّسنا اياه التاريخ ولكن أين التلاميذ؟ وحرب أمريكا وفيتنام عبرة ..فهل سيكون السودان استثناء؟
جل حروب المدن كانت نهايتها لأمرين: هدنة وقبول للميليشيا وهذا يقيم “شبه دولة” معوجّة لا أساس لها، أو تقسيم الدولة .. وما بين هذا وذاك يكون خراب العمران وهلاك الأنفس.
إن الجيوش النظامية تسعى ما استطاعت كي لا تخرب بيتها بيدها، عكس الميليشيا التي تقتات على الدمار لالشيء سوى النكاية في الدولة.. لن يهزم الملعون “حميدتي” بسهولة ولن تُخمد نار الحرب في مهدها.
لقد كُتب للسودان أن يقسم كقطع البيتزا، وهذا ما أتوقع حدوثه في نهاية الحرب ولا أتمناه، ربما سنسير الى خيار يعتقده البعض خيالاً محضاً، وأراه رؤى العين وكأنني “نوسترداموس” وهو أن يقاوم حميدتي ويهرب الى “دارفور” ومن هناك يبدأ من حيث وُجد حربه على الدولة حتى يستقر له الأمر، سيقبل السودان بالأمر الواقع ويُعطى الجزء الغربي للسودان وتحديداً دارفور حقها في تقرير المصير، ستنفصل ويرأسها حميدتي ويبدأ صراعٌ جديد هناك بينه وبين بقية المتمردين ستكون دولة حميدتي مصيرها الفشل كجنوب السودان، حروب شعواء لا تتوقف وأنهار من الدماء.
الأمر المطمئن هو أن “السعودية” و “مصر” يشكل لهما السودان عمقاً استراتيجياً، وستتدخلان عاجلاً أم آجلاً، ولاشك أن دخولهما سيغير موازين القوى، ولكن السؤال هو متى؟
بين الواقع المربك والمستقبل المجهول يعيش السودان أكثر لحظاته بؤساً منذ استقلاله، كل الناس تتضرع لا يقاف الحرب أولاً ورد كيد الأعداء في نحورهم ثانياً، فاللهم احفظ السودان وأهله، وجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن.
للتواصل مع الكاتب ahmedkher7@



