المقالح والبكاء بين يدي صنعاء
لم يبقَ في الأيّامِ منْ سعةٍ
حانَ الرَّحيلُ، ونوَّرَ الأجلُ
أأموتُ يا صنعايَ مغترباً لا الدَّمعُ يدنيني، ولا القُبَلُ؟ * “البكاء بين يدي صنعاء” هذه القصيدة للشاعر اليمني الكبير عبدالعزيز المقالح رحمة الله عليه الذي رحل عن المشهد الثقافي العربي منذ شهور وودعته الأوساط الثقافية والأدبية هذا الشاعر المتدفق علما وشعرا وأدبا وخلقا وهو في هذه القصيدة يرثي نفسه ويرثي صنعاء هذه المدينة التي إستحضرها المقالح بكل ثقلها التاريخي والحضاري هذه المدينة التي تعتبر ملهمة لشعراء اليمن وهي ملهمة هذا الشاعر الذي أتعبته صنعاء وأرض اليمن بحبه وعشقه لها ويتحسر على الصحب والخلان الذين رحلو وتركو ندوبا في تجاويف قلب هذا الشاعر المرهف والمعذب والشاعر المقالح هو من الشعراء المتمكنين من بحور الشعر العربي وله إبداعه في الشعر العامودي أو المدرسة الشعرية العربية التقليدية ولكنه إختط له خط منذ بداياته الأولى وهي هويته الشعرية ميله للشعر الحر شعر التفعيلة ولكن هذه القصيدة هي من روائعة في الشعر التقليدي والتي كما اشرنا يرثي روحة حين صعودها حين لحظة الفراق للأهل والأصحاب والخلان ويرثي فيها كذلك بلاده اليمن والتي يصورها وكأنها توشحت بالسواد ويقول في هذه الأبيات التي تقارب الأربعين بيتا وإخترنا بعضا من أبياتها :
للحبِّ فوقَ رمالِها طللُ
منْ حولِهِ نبكي، ونحتفلُ
نقشتْهُ كَفُّ الشوقِ في دَمِنا
وطوتْهُ في أعماقِنا المقلُ
هوَ حُلْمُنا الباقي، ومعبدُنا
وصلاتُنـا، والحبُّ والغزلُ
منْ أجْلِها تصفو مودَّتُنا
ولِحُـبِّـهـا نشقى، ونقتتلُ
شابتْ مآسينا، وفرحتُنا
وتمزَّقَتْ في دربِها الدُّولُ
صنعاءُ يا أنشودةً عبقَتْ
وأجادَ في إنشادِها الأزلُ
ألقاكِ منتصراً ومنكسراً
وعلى جناحِ الشعرِ أرتحلُ
يجتاحُني شوقٌ، ويسحقُني
شوقٌ، وفي التَّذْكـارِ أشتعلُ
ما نجمةٌ في الأفْقِ عابرةٌ
إلاّ هتفتُ بها: متى نصلُ؟
إني، إلى صنـعـاءَ، يحملُني
وجهُ النهارِ، وترحلُ الأُصُلُ
وأعودُ طفلاً كلَّما ذُكِرَتْ
ويغيبُ وَسْطَ حريقيَ الرَّجُلُ
فمتى تظـلِّلُـني مـآذنُهـا،
ويضيءُ منْ أحضانِها الجبلُ؟
لم يبقَ في الأيّامِ منْ سعةٍ
حانَ الرَّحيلُ، ونوَّرَ الأجلُ
أأموتُ يا صنعايَ مغترباً
لا الدَّمعُ يدنيني، ولا القُبَلُ؟
أوراقُ أيّـامـي، أبعثـرُهـا
وأعيشُ.. لا يأسٌ ولا أملُ
يا أمَّنا جاعتْ مواسِمُنا
واستبطأَتْ أمطـارَها اليمـنُ
أبكي على أيّامِنا اندثـرَتْ
أشواقُها، والحُلْمُ، والمدُنُ
ويقـولُ لي صحبي: كفى حَزَناً
ماذا يفيدُ الدمعُ والحَزَنُ؟
أألامُ يا أمّاهُ إنْ يبسَتْ
عيني وأثمرَ حولَها الشجنُ؟
لَبَّيْكِ يا (صنعاءُ) نحنُ هنا
لا الموتُ يدركُنـا، ولا الزمنُ
للتواصل مع الكاتب mhmdsdlhrth@gmail.com

