القليل من الذكريات هو ما تبقى لي من أبي, ذلك القليل هو الذي اقتات منه ، لأصبح قوية حين تواجهني تحديات الحياة, هو ما يعيدني إلى اتزاني, هو ما يرسم بسمة الأمل في وسط انتكاساتي.
مازلت أتذكر قطعة الحلوى التي قدمها لي خالي حتى يشغلني عن سؤاله ،أين أبي ؟ ولماذا نحن ليسوا في منزلنا معه ومع بقية الأسرة ؟ حين لم أجد الإجابة سوى قطعة حلوى ، ألقيتُ بها من نافذة العربة التي تقلني ،أنا وإخوتي إلى بيت العائلة ،ليتأكد لي ما نزل في قلبي من حدس ،بأن ذلك المشهد الذي كان بيني وبينك ، هو آخر مشهد يجمعني بك, وأن آخر بِرٍ قمتُ به لك ، هو حين أرسلت لله من قلبي دعاء استغاثة ، بأن يشفيك لتعود لي.
حين طلبت مني أن أكون عكازك لبضع خطوات في المنزل, ليت منزلنا كان واسعا حتى يطول اتكاؤك على كتفي يا أغلى الناس.كم كان صعب على قلبي حين رأيت عجزك أمام قوة المرض , كم كان يعصر قلبي أنينك ، وأنا أشاهد النهاية في عيون من حولك , كم كنت أرى اليأس في عيونهم وجبر الخواطر في كلماتهم, لكن كان حدس قلبي يقول إنها النهاية, ليتهم سمحوا لي باحتضانك للمرة الأخيرة ،قبل أن ينقلوك إلى مكة للعلاج حيث منيّتك هناك , ليتني حظيت بذلك الحضن ولو لدقائق معدودة , كان سيعني لي الكثير, كان سيكون وقودي لبقية عمري.
وداعا أبي يا أجمل ذكرياتي أبي الحبيب أتعلم لماذا ألقيتُ بقطعة الحلوى من تلك النافذة؟ لماذا طفلة في عمر السبع سنين تتخلى عن قطعة حلوى وتلقي بها بعيدا؟ إن ما كان بي حينها هو إحساس الفقد , فقد من هو أثمن من قطع الحلوى التي في العالم كله , وأن صوت قلبي يخبرني أنني لن أتلذذ بها مهما كانت شهية.
وصلت إلى البيت وشاهدت , جمع غفير من الناس , رائحة طعام , وقشور برتقال , وسجاد أحمر يفترش ساحة منزلنا ، وعقد أنوار صفراء يصل منزلنا بمنزل جارنا . مازلت لا أصدق , أكملت طريقي مسرعة لأبحث عنك ،صعدت حتى أعلى طابق بالمنزل. تعثرت بالعديد من أكياس الأرز والسكر, التي تبرع بها الأهل والأقارب, شاهدت العديد من السواد إنهم نساء أعرف بعضهن ، والأخريات لا أعرفهن.
كانت ترتسم على وجوههن نظرات الشفقة ، وبعض قطرات الدمع , مازلت لا أصدق إلى أن ارتميت بحضن أمي في وسط الغرفة المليئة بالنساء لا أتذكر منها سوى سواد أجهشت بالبكاء لأنني تأكدت أنك رحلت فقدت صمام الأمان , فقدته يا أبي!!!!!!!! كيف أصف شعوري الآن؟!!!!!!!!! لم يبق لي سوى بعض ذكريات, اقتات منها, لأقف صامدة, بعد رحليك كم كنت بحاجة إلى حضن أخير, كان سيُحدث فارق كبيرفي حياتي أحبك،افتقدك،اشتاق لك،وداعا أبي.
للتواصل مع الكاتبة mahrosgahda@gmail.com


