كم حرف وكم كلمة كتبت او قرئت منذ عشر سنوات على الأقل؟ لا شك ان الرقم كبير جدا. ذكر الكاتب جيف ستيل في كتابه (الرجال خنازير ولحسن الحظ النساء يحبون لحم الخنزير), أن متوسط عدد كلمات الذكور العاملين في اليوم 2000-3000، والإناث من 10000-20000. ومع ذلك، يبلغ متوسط كل منهما حوالي 500-700 كلمة ذات قيمة فعلية (أي الكلمات التي تهدف إلى إيصال عنصر مهم لكليهما إلى شخص آخر). وهذا يعني أن السيدات يضيفن قدرًا كبيرًا من “الحشو” إلى محادثتهن. عنوان كتاب جيف, عجيب جدا لنا كمسلمين لكون الخنزير واسمه مستنكر ومستهجن لدينا. لذلك الكلمات مهمة وصعبة وسهلة في نفس الوقت, من السهل ان تجمع كلمات كثيرة وتكتبها بدون تمحيص وعناية, ولكن من الصعب جدا نظم الكلمات كخرزات في عقد متناسق. محاولة البوح بما في الصدر أشبه بعملية ولادة, كل شيء فيني يشاركني لحطة التفكير ولحظة إختيار الكلمات, كيف لو اننا أحسسنا بالحروف أيضا! كتب قديما وحديثا عن أخبار الحروف مالا يثبت ولا يصح وبعضه يستأنس به كونه مستنتج من الاستقراء لتلك الحروف.
قال رينهولد نيبور، اللاهوتي اللوثري (إلهي إمنحني السكينة لتقبل الأشياء التي لا أستطيع تغييرها, والشجاعة لتغيير الأشياء التي أستطيع تغييرها، والحكمة لمعرفة الفرق.). الكلام عميق جدا وكأنه نقش على صخره, و الأبدع انه لم يكتب تلك الكلمات باللغة العربية, بل هي مترجمة عن كلامه الأصلي بالإنجليزية. كم من الكلمات تبقى وتسكن أدمغتنا ولا تستعجل الرحيل كما يستعجل الرحيل الضيف المرتبط بأعمال تجارية ومواعيد.
عن سعيد بن المسيب عن جابر بن عبد الله قال تعلموا العلم ثم تعلموا الحلم ثم تعلموا العلم ثم تعلموا العمل بالعلم ثم أبشروا”. يجسد القول “تعلموا العلم ثم تعلموا الحلم ثم تعلموا العلم ثم تعلموا العمل بالعلم ثم أبشروا” مسارًا عميقًا نحو الحكمة, إنه يذكرنا بالترابط بين المعرفة والتواضع والعمل في سعينا نحو التنوير. من خلال السعي المستمر للمعرفة، والتواضع، وتطبيق معرفتنا من خلال العمل، والابتهاج بتقدمنا، ننطلق في رحلة تحويلية تقودنا إلى فهم أعمق ومساهمات ذات مغزى.
قال التابعي عبد ربه بن سليمان: كتبت لي أم الدرداء في لوحي فيما تعلمني: “تعلموا الحكمة صغارًا ,تعملوا بها كبارًا، وإن كل زارع حاصدٌ ما زرع من خير أو شر”. ما أجمل هذا الكلام, مختصر وفيه علم كثير, اللهم علمنا ما ينفعنا وأنفعنا بما علتنا, وزدنا علما.
للتواصل مع الكاتب adel_al_baker@hotmail.com

