في عصرٍ تتسارع فيه الأيام بلا توقّف، ويغدو فيه الماضي كغبارٍ يتناثر في هواء الذاكرة، يقف الإنسان متأمّلًا أمام مرآة نفسه، يسألها: “ماذا أريد؟” لم يعد السؤال بسيطًا كما كان، ولم تعد الإجابة مضمونة.
نعيش زمنًا تُنسى فيه اللحظات الجميلة بسرعة، وتُغتال فيه الذكريات تحت وطأة ضجيج الحياة وتُمحى فيه الملامح وسط الزحام.
إنه زمن النسيان… زمن تهرب فيه المشاعر، وتبهت فيه القيم، ويضيع فيه الإنسان بين ما كان، وما ينبغي أن يكون.
في هذا الزمن، يزداد النسيان بشكل مخيف؛ حتى ننسى ماقلناه بالأمس، ذاكرة مثقوبة، تتساقط منها المواقف، وتنزلق منها الوجوه، وكأن كل شيء بات قابلًا للمحو… حتى الإنسان نفسه.
وفي قلب هذا النسيان ، حيث تتشابك الذكريات ، وتضيع الوجوه بين الغياب والتجاهل، تُرتكب أقسى صور الجفاء: نسيان الأحياء للأموات.
أولئك الذين كانوا يومًا مصدر دفء، وركنًا لا يُعوّض، تحوّلوا إلى أسماء باهتة في هامش الذاكرة. يُذكرون في مناسبات عابرة، ثم يُطوى حضورهم بصمت، كأن الموت لا يكفي، بل يتبعه موت آخر حين لا تعود دعوة تُرفع لأجلهم، ولا حكاية تُروى عنهم.
الإنسان لا يريد كثيرًا… فقط سوًا ذكرى لا تذوب مع الوقت، وقلوبًا تحفظه كما تحفظ الأمهات أسماء أبنائهن في دعوات الغياب هو لا يسعى إلى الخلود، بل إلى أثرٍ لا يُمحى… وعينٍ لا تنساه حتى وهو غائب عن المشهد. ولا مجرّد ظلٍّ مرّ ذات يوم، بل روحٌ لها وزنها، ووجودٌ يُفتقد إذا غاب.
ختامًا : في زمن النسيان لا يطلب الإنسان مالًا ولا شهرة بل ما لا يُشترى في الأسواق: صدقٌ لا يتبدّل ووفاء لا يصدأ وذكرى تُحفظ كوصيّة في قلبٍ لا ينسى.
همسة:
تذكّروا موتكم فليس بعد الرحيل إلا الذكرى.
فكونوا ممّن تُروى سيرتهم لا ممّن يُمحى أثرهم.
للتواصل مع الكاتب jttj110@gmailcom

