أحبها كما لم يُحب أحد من قبل لم يكن يظن أن الحروف قادرة على أن تسرق القلب لكن في زمن السوشال ميديا كانت الكلمة هي النظرة وكانت الجملة هي اللمسة !!
في بدايات تلك المنصات كان يكتب كثيراً مقالات أدبية عميقة ومواقف سياسية جريئة وأحياناً خواطر تمس القلب برفق !! كانت كتاباته تُشبهه : فكراً متقداً وشجناً خفياً وشهامةً تليق برجلٍ لا يلهث وراء الأضواء !! تابعته بصمتٍ طويل كقارئةٍ تخشى أن تُفسد سحر النص بالكلام !!
كانت تمرّ على كلماته ببطء كمن يمرّ بحديقةٍ لا يريد مغادرتها !! ثم ازداد اهتمامها به فبدأت تُعلق على ما يكتب بكلماتٍ أنيقةٍ وذكية لكنه لم يُعرها اهتماماً خاصاً تعامل معها كحال الآخرين.
حتى جاء اليوم الذي كتبت له فيه على الخاص : “ هل تكتب لأنك تتألم أم لأنك تخاف أن تُحبّ ؟! ” ابتسم حين قرأها شعر وكأن أحدهم التقط أنفاسه المكتومة ردّ عليها بجملة واحدة : “ أكتب لأنني أعيش بين الألم والحب “
ومن تلك الرسالة الصغيرة انفتح بينهما بابٌ من النور حديثٌ بدأ متحفظاً ثم صار ممتداً كالنهر من الأدب إلى السياسة من الحلم إلى التفاصيل الصغيرة التي لا تُقال إلا بين قلبين يعرفان بعضهما في السرّ !!
أُعجب بذكائها وجرأتها الرصينة وأُعجبت بثقافته وسعة أفقه ثم أصبحت رسائلهما اليومية طقساً مقدساً صباح الخير منه دفء
وردّها مساءً طمأنينة.
عرف أنها في سنتها الأخيرة بالجامعة وأنها من عائلة أرستقراطية لا تعرف المساومة في قرارات الزواج أما هو فكان ابن الطبقة المتوسطة مثقفاً صادقاً يعيش بكبرياء العزلة لا بترف المال !!
أحبها كما لم يحبّ أحد أحبها كما يُحب الكاتب حرفَه الأول والمغترب أرضَه البعيدة أحبها رغم أنه لم يرها لكنه كان يعرف ملامحها من بين السطور ضحكتها تأتي بين الفواصل ودمعتها تسكن في النقاط !! أربع سنواتٍ من الحروف والعمر المنسكب في الرسائل
أربع سنواتٍ من الحلم النقي إلى أن جاء اليوم الذي انهار فيه كل شيء.
رنّ هاتفه مساءً فسمع صوتها مبحوحاً يختنق بين شهقةٍ وبكاء قالت بصوتٍ مكسور : “ سأتزوج بإصرار من أهلي ” صمتَ طويلاً
ثم قال ببرودٍ ظاهري يخفي زلزالاً في داخله : “ هنيئاً لهم بكِ وخسرتُ أنا نفسي ” وأغلق الخط لم يترك لها فرصة لتقول شيئاً
وحين حاولت الاتصال به لم يُجب حظرها من كل مكان كأنها لم تُولد قال لنفسه : لقد ماتت رحمها الله !!
لكنها لم تمت كانت تتنفس هناك في بيتٍ فاخرٍ بلا روح وكان هو يموت كل يومٍ بصمت في غرفةٍ صغيرةٍ تطل على نافذةٍ لم تعد تُطل على شيء !!
مرت السنوات ولم يكتب بعدها سوى جملةٍ واحدة نشرها في ذكرى الفراق : كما قال غازي القصيبي : يدنو الفراقُ .. فقولي كيف أدفعهُ ؟ أيدفعُ الخوفُ مقدوراً إذا اقتحما ؟!
ثم أضاف تحتها بخطٍ مهتزّ الفراق لا يُدفع يا غازي الفراق يُسكِن القلبَ في قبرٍ مفتوحٍ لا يُغلق أبداً !! وهكذا انتهت الحكاية لكنها كلما قرأت اسمه في مكانٍ ما شعرت أن روحها ترتجف وكلما كتب هو عن الحب كان يكتب عنها دون أن يذكر اسمها لقد مات الحب بينهما لكن الذكرى بقيت حيةً تأبى الرحيل !!
للتواصل مع الكاتب 96550538538+



الله الله الله