القصر بين المصادر الكتابية والشفهبة أكثر من 500 عامل عملوا يوميا في تشييد القصر في عهد الملك المؤسس
التربويان العطار والقدسي عملا مدراء في مبناه
يُعدّ قصر الزاهر الأثري بمكة المكرمة من المعالم الأثرية التاريخية الهامة يقع بمدخل العاصمة المقدسة الشمالي على إمتداد طريق المدينة مكة المكرمة وقد تحول إلى متحف ثقافي تاريخي كبير يعني بحفظ التراث الإنساني والطبيعي وجميع المقتنيات ذات القيمة التاريخية والعلمية والفنية وعرضها بأساليب تعليمية وتفاعلية الكفاح نيوز من خلال هذا التقرير العلمي البحثي تلقي الضوء على تاريخ هذا المعلم التاريخي الهام في أم القرى ويسهم هذا المتحف في تعزيز الوعي بالهوية الثقافية، وإتاحة فرصة اكتشاف الحضارات عبر الزمن، بما يقدمه من معروضات ووثائق وشواهد حيّة تُثري معرفة الزائر وتعمّق تقديره للتراث.
ومن بين تلك المتاحف متحف قصر الزاهر بالعاصمة المقدسة بحي الزاهر وهو من أقدم المباني التاريخية بالحي، إذ تجاوز عمره الإنشائي الثمانين عاما ، ويشهد في العامين الأخيرين تطويرا واسعا ليكون متحفا شاملا. وقد التقينا بأحد الباحثين التاريخيين المهتمين بتاريخ العاصمة المقدسة.. وهو الأستاذ بدر اللحياني.
وابتدأناه بهذا السؤال كيف يمكن توثيق بناية بهذا المستوى من القيمة التراثية والثقافية.. وليس هناك مصادر تاريخية يمكن الاعتماد عليها…؟
وأجاب أنه: ليس من اليسير اليوم توثيق مبنى تراثيا معماريا مضى على إنشائه أكثر من ثمانين عاما، دون أن تجد من الوثائق والمصورات والخرائط والمدونات اللغوية ما يدعم استقصاءك التاريخي.. وأصبح من الملزم اليوم توثيق مصادره. ومن بين تلك المباني النادرة في تكوينها التاريخي والمعماري (غير المسبوق)، وتحتاج إلى توثيق تاريخي (قصر متحف الزاهر) بالعاصمة المقدسة ولسنا بصدد التوثيق الشامل لهذا القصر كما يفهم من السؤال.. فهذا مجال آخر يحتاج على أدوات أكثر عمقا وأقوى سبرا.
ولكننا اطلعنا على بعض المصادر التي تناولت هذا القصر بشكل عام علما أنه ما يتوفر اليوم سوى اليسير من المعلومات التي تحتاج إلى قدر من الرصانة العلمية والجلد والأدوات البحثية تمكن أي باحث من رسم صورة علمية مكتملة الجوانب. خاصة وأنه سوف يصبح معلما ثقافيا وأدبيا من خلال إعادة تجهيزه خلال العام القادم.
وعن تقسيم مصادر القصر يقول اللحياني أنه يمكن تقسيم تلك المصادر إلى: مدونات كتابية وهي قليلة جدا وأهمها: خرائط مصلحة المساحة المصرية لمكة لعامي 1945م، 1947م، وهي عبارة عن رفوعات مسحية نفذت من قبل مصلحة المساحة المصرية لصالح مكة المكرمة رسمت الطبيعة الطبغرافية لمكة المكرمة ولعلها الأولى من حيث حداثة الخرائط إذ لم نجد خرائط سابقة تميزت بالرسم الحديث المماثل من حيث توخي دقة الرسم والمقاسات والارتفاعات وضبط المسميات (وفق المتاح)، ونشرت نشرا علميا رائعا.
وتنقسم إلى قسمين الخرائط الأولى العائدة لعام 1945م، وظهر فيها حي الزاهر ولم يظهر أثر للقصر مطلقا إذ لم ينفذ القصر بعد.. وظهرت بعض المعالم المحيطة بموقع القصر مثل بستان الزاهر وجبل الشهيد وجبّانة تاريخية مقاربة لموقع القصر في الجانب الشرقي منه ويبدو فيها موقع القصر فارغا .أما خرائط المجموعة الثانية ونفذت عام 1947م، وتشتمل على سبعة ألواح غطت معظم أحياء مكة وتهمنا اللوحة الأولى التي ظهر فيها القصر واضحا أثناء فترة تنفيذه) ، وهي أول خارطة يظهر فيها اسم القصر في مسميين مختلفين … وعلى أي باحث تحريز مستواها وتقييم جدواها في رصد التسلسل التاريخي وهي مهمة في ضمان خط التسلسل التاريخي خاصة مع دعم المواقع التاريخية الأخرى التي أشارت لها الخارطة.
وأضاف اللحياني : أن النشرات التربوية المدرسية مهمة كمصدر رئيس من مصادر تاريخ القصر كونه شغل بعض المدارس مدة عشرين عاما وهي عبارة عن تقارير تعليمية وتربوية كانت تنفذ بشكل عام لصالح مديرية المعارف منذ تأسيسها عام 1934حتى عام 1953م ، ثم تابعت وزارة المعارف تنفيذها بعد ذلك وتعتمد في مجملها على متخصص تربوي فقط وجميعها تقريبا مخطوطة وغير مطبوعة وهناك نشرة واحدة على الأقل تناولت القصر عندما كانت تشغله مدرسة متوسطة الزاهر ولكن بشكل موجز ومن جانب أدبي وتربوي ويرجح لي أنه نفذت عام 1967م، ولمحت فيها وصفا للقصر وأشار معد النشرة إلى بعض التفاصيل ومن الغريب أنه ذكر مدرسة أخرى كانت تشغل القصر بجانب تلك المتوسطة وذكر أن عدد طلابها 15طالبا..وهذا مالم تشر له الوثائق التربوية… ولكن غلبة المنهج التربوي قلل من السرد التاريخي الذي كنا نحتاجه ولا ننس أن بعض خبراء التربية لديهم قدرته على الوصف المكاني ويؤخذ كمصدر رئيس أيضا في ظل غياب مصادر تاريخية حتى تظهر مدونات أقوى في الوصف التاريخي والإنشائي.
وللكاتب الصحفي المصري محمد السوادي مؤلف تحت (عنوان :مملكة في الميزان)، نشر في طبعته الأولى سنة 1954م، ضمن منشورات المطبعة العالمية بمصر، وأشار بشكل مقتضب جدا لوصف القصر بعد عامين من الانتهاء منه وهو صحفي متمكن زار المملكة قبل صدور الكتاب …ولكن ما أشار له يحتاج إلى تقييم تاريخي ولا يمكن التقليل من أهمية ما ذكره.
كما صدر كتيب شبه إحصائي تحت عنوان (النهضة التعليمية بمكة) طبع طبعة داخلية بمطابع رابطة العالم الإسلامي بدون تاريخ ولعله صدر في عام 1406هـ، ولم يشر المؤلف للقصر كما هو متوقع ولكن لمحت صورة ظهر فيها الطرف الجنوبي للقصر. ويتضح لي أن الصورة كانت من أمام مكتبة التعليم بمكة بحي الزاهر الملاصقة للقصر وتعود لعام 1404هـ – 1984م) . ويظهر البناء الجزئي على هيئته التي كان عليها قبل الترميم.
وعن مصادر أخرى غير كتابية ذكر اللحياني: أن الرواية الشفاهية من أهم المصادر وقال لقد استقصيت اثنين من مديري متوسطة الزاهر في بدايات عملهما بالقصر وهما الأستاذان مصطفى العطار أول مدير لمتوسطة الزاهر عندما شغلت البناء سنة 1378هـ ، والأستاذ محمد النقلي كمدير فيما بعد (رحمهما الله)، وتيسر لي إجراء مقابلة معهما في عام 1420هـ ، ولم أنشر هاتين المقابلتين واحتفظت بهما ومعلوم أن متوسطة الزاهر شغلت القصر ما بين عام 1378هـ، وعام 1398هـ، أي نحو عشرين عاما وقدما معلومات قيمة جدا في إجابتهما لأسئلتي التاريخية إضافة للهوامش التي تبرعا بها رحمهما الله في خضم إجابتهما .. وكانا في غاية التجاوب معي رحمهما الله.. وشرحا حالة القصر ونظامه وما عليه من تقسيمات إنشائية وجوانب تربوية أثناء إدارتهما.. وممن عمل بإدارة متوسطة الزاهر خلال فترة شغلها للقصر من التربويين الأستاذ مصطفى العطار مدير التعليم بمكة ومن الأعلام الرياضيين المعلق الرياض الأستاذ زاهد قدسي رحمهما الله . والدكتور نوري الحافظ خبير اليونسكو للتخطيط التربوي في وزارة المعارف عام 1967م.
في حين قدما لي اثنين من المهندسين اللذين زارا القصر عام 1420هـ قبيل ترميمه بفترة قصيرة وصفا في غاية الأهمية عن حالة القصر الإنشائية ونظامه الهندسي.
ثم اتصلت باثنين ممن عملا في إنشاء القصر.. واستوضحا معلومات رائعة عن البناء وطريقة تنفيذه إلى جانب النشاط الحرفي إضافة لمواد القصر الإنشائية وأسماء العاملين وتخصص كل عامل ومعلم ومشرف. ومن أوثق ما ذكراها لي أنه بلغ عدد العاملين بالقصر إبان فترة تأسيسه وفي اليوم الواحد أكثر من 500عامل.عند حفر القبو.
وأوضح أن الصور التي تمكنت من التقاطها قبل فترة الترميم في عام 1420م، وأثناء فترة الترميم تعد مصدرا رئيسا بالنسبة لي. أما المواقع التاريخية المحيطة بالقصر المساندة فهناك قدر واسع جدا كنت قد وثقته قبل إزالتهما خاصة الآبار والمحاجر ومواد البناء والأسبلة المائية (بعضها يعود للعصر المملوكي) التي ساهمت مياهها في إنشاء القصر. ولعل أهم الصور تلك العائدة لعام 1385هـ ، والتي تحصلت عليها من بعض المصادر التاريخية ويظهر فيها القصر في حالة اكتمال وبعض المباني المجاورة قبل أن تتسع.
وعن المراحل التاريخية للقصر يقول اللحياني: يمكن تقسيم تاريخ القصر إلى أربع مراحل: المرحلة الأولى: التشييد والبناء (1946/1951) المرحلة الثانية: فراغه (1952/1958) المرحلة الثالثة: الإقامة والاستخدام الرسمي (متوسطة الزاهر 1958م/1978م) المرحلة الرابعة: الترميم والتحول إلى متحف (2000م) حتى اليوم ولا شك أن هناك مراحل قصيرة يمكن الإشارة إليها.
معلومات عامة: يقع هذا القصر بوادي الزاهر في مدخل مكة الشمالي والذي كانت تخترقه طرق الحج القديمة وأشهرها درب القوافل القديم بين مكة والشام ومنه كانت تعبر رحلة الصيف التجارية. وبمحاذاته تماما كانت تمر تلك القوافل وربما لامست فناءه الشرقي قبل أن تنحرف يسرة نحو جبل الحصحاص الموازي للقصر وتنتهي بالانحدار من ثنية الحجون لتصل وادي إبراهيم الذي يقودها نحو سفح فيقعان.. مركز التجارة المكية في عصرها الجاهلي.. وظلت القوافل تمر هكذا حتى ظهور المواصلات الحديثة وكان يعرف بوادي فخ تعميما على المنطقة الممتدة من جبل الحصحاص جنوبا إلى الثنية البيضاء. ويقع القصر في الطرف الجنوبي من هذا الوادي.
لم يظهر مسمى وادي الزاهر إلا في مطلع القرن السادس الهجري.. وأول من أشار له الزمخشري المتوفى سنة 538ه. ثم تبعه الحموي المتوفى سنة 626هـ





