الطب والهندسة.
-شهدت المجتمعات الإسلامية خلال القرون الأخيرة تحولات عميقة في أنماط التعليم والتخصصات العلمية التي يُقبل عليها أبناؤها، ولا سيما المتفوقين منهم ولم تكن هذه التحولات عفوية أو ناتجة فقط عن حاجات داخلية، بل تأثرت إلى حدٍّ كبير بعوامل خارجية أسهمت في توجيه مسار العقول والطاقات نحو مجالات بعينها، على حساب مجالات أخرى لا تقل أهمية، بل قد تكون أكثر تأثيرًا في بناء نهضة حضارية شاملة.
-لقد جرى ترسيخ قناعة عامة مفادها أن الطب والهندسة هما الخياران الأمثل، بل والأرقى، لأصحاب الذكاء والقدرات العقلية العالية ونتيجة لذلك، اتجه معظم المتفوقين في المجتمعات الإسلامية إلى هذين المجالين، حتى أصبحا معيارًا اجتماعيًا للنجاح والتفوق. ولا شك أن الطب والهندسة من المهن النبيلة والمهمة، ولهما دور أساسي في خدمة الإنسان والمجتمع، غير أن الإشكال لا يكمن في قيمتهما، بل في حصر الطموح العلمي والفكري فيهما دون غيرهما.
-إن التركيز المفرط على هذين التخصصين أدى إلى تهميش مجالات أخرى حيوية، مثل البحث العلمي التطبيقي، والاختراعات الصناعية، وعلوم الفضاء، والتقنيات المتقدمة، وعلوم الأغذية، وهي المجالات التي تشكل العمود الفقري لقوة الدول واستقلالها الاقتصادي والعلمي فالأمم لا تنهض فقط بكثرة الأطباء والمهندسين، وإنما تنهض حين تمتلك منظومة متكاملة من الابتكار والإنتاج والمعرفة.
-وقد تعود جذور هذه القناعات إلى الحقبة الاستعمارية، حين سعى المستعمر الأجنبي إلى توجيه الشعوب الإسلامية نحو مسارات تعليمية محددة تُشغل العقول المتميزة بأعمال خدمية فردية، وتبعدها عن مشاريع التصنيع والاختراع وبناء القوة الذاتية وكان الهدف من ذلك إضعاف القدرة على المنافسة الحضارية، وإبقاء هذه الشعوب في حالة تبعية علمية وتقنية.
-فالطبيب، بحكم طبيعة مهنته، ينشغل بمرضاه وعيادته، ويؤدي دورًا إنسانيًا عظيمًا، لكنه غالبًا لا يجد الوقت أو البيئة المناسبة للإسهام في تطوير الصناعات أو قيادة مشاريع الابتكار الكبرى وكذلك المهندس، حين يُحصر دوره في العمل الوظيفي التقليدي، بعيدًا عن البحث والتطوير، يفقد جزءًا من طاقته الإبداعية التي يمكن أن تُسهم في نهضة الأمة.
-إن الحاجة اليوم ماسة إلى إعادة النظر في مفهوم التفوق والنجاح، وإلى توجيه العقول اللامعة نحو مختلف ميادين العلم والمعرفة، دون تمييز أو تضييق. فنهضة المجتمعات الإسلامية لن تتحقق إلا بتوازن علمي شامل، يقدّر الطب والهندسة، وفي الوقت ذاته يفتح الأبواب واسعة أمام الابتكار، والصناعة، والبحث العلمي، وبناء المستقبل بأيدٍ واعية مستقلة.
للتواصل مع الكاتب 0505300081


