تُعدّ كتابة المذكرات والسير الذاتية من أهم أشكال الكتابة الأدبية والتوثيقية، لأنها تسجّل تجارب الإنسان وأفكاره ومواقفه، وتنقلها للأجيال القادمة بأسلوب شخصي أو موضوعي و تحفظ نبض الحياة اليومية، وتوثّق التحولات التي تمر بها المجتمعات من خلال عيون أصحابها وتجاربهم الشخصية.
ومن هذا المنطلق يأتي كتاب «حي العتيبية وذكريات ٥٤ عام» للكاتب والإعلامي المميز الزميل و الصديق احمد الاحمدي ، بوصفه شهادة حيّة على مرحلة زمنية امتدت لأكثر من نصف قرن في أحد أعرق أحياء مكة المكرمة حي العتيبية.
في هذا الكتاب يستعرض الكاتب مسيرته الطويلة في حي العتيبية، متتبعًا تفاصيل الحياة الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية، مستحضرًا ملامح المكان كما كانت في بداياته، ثم راصدًا ما طرأ عليها من تغيرات عمرانية وتنموية. ويأخذنا السرد إلى الأزقة القديمة، والمدارس الأولى، والأسواق الشعبية، والعلاقات الإنسانية التي شكّلت هوية الحي وروحه.
لا يكتفي المؤلف بسرد ذكرياته الشخصية، بل يربطها بالسياق العام للتحولات التي شهدتها المملكة العربية السعودية خلال العقود الماضية؛ من توسّع عمراني، ونهضة تعليمية، وتطور في الخدمات والبنية التحتية. وهنا تتجلّى قيمة الكتاب بوصفه وثيقة اجتماعية ترصد تفاصيل الحياة اليومية في مرحلة انتقالية مهمة من تاريخ الحي.
ويعكس ذلك وعي الكاتب بأهمية حفظ الذاكرة الشعبية للأحياء القديمة، خاصة في مدينة ذات مكانة دينية وتاريخية كبرى مثل مكة المكرمة.
وقد إشتمل الكتاب على ستة فصول هي الموقع والتسمية، وذكريات 54 عاما، ومعالم الحي التاريخية والأثرية وإعلاميْ الحي ورجال الأعمال ، والحي في عيون الصحافة، وصور متنوعة جمعها المؤلف عن الحي.
من الناحية الأسلوبية، يتميز الكتاب بلغة سردية بسيطة شيقة قريبة من القارئ، تمزج بين الحنين والتأمل، وبين الوصف الدقيق للمكان وتحليل التحولات الاجتماعية وبين العفوية وروح الانتماء وهذا ما يجعل العمل ليس مجرد ذكريات شخصية، بل قراءة في تاريخ حيٍّ شكّل جزءًا من الذاكرة الجمعية لسكانه.
وفي الختام، يمكن القول إن كتاب «حي العتيبية وذكريات ٥٤ عام» يمثل إضافة مهمة لأدب المذكرات المحلي، إذ يحفظ جانبًا من تاريخ حي العتيبية، ويوثّق تجربة إنسانية غنية تمتد عبر أربعة وخمسين عامًا، لتبقى شاهدًا على زمن مضى، ومرجعًا للأجيال القادمة لفهم جذور المكان وتحولاته.
للتواصل مع الكاتب Mmmmssss1411@gmail.com


