قال سيدنا سلمان الفارسى رضي الله عنه : يا رسول الله .. إنا كنا بأرض فارس إذا حوصرنا خندقنا علينا سمع رسول الله وصحابته الفكرة فأعجبتهم وعلى الفور ظهر الحسم وعدم التردد فأخذوا قرارهم مباشرة بالبدء بحفر الخندق وفعلاً كانت فكرة ممتازة وعلى وجه السرعة أخذ رسول الله عليه الصلاة والسلام مجموعة من الصحابة وتفقد أطراف المدينة ليحدد المكان الملائم لحفر الخندق آخذًا بكل الأسباب ووجد عليه الصلاة والسلام أن لشرق المدينة المنورة وغربها حماية طبيعية وهي مرتفعات الحرة الشرقية والغربية وكذلك كان جنوب المدينة محميًّا بغابات طبيعية وأحراش فلم يتبق إلا منطقة الشمال ومنطقة الجنوب الشرقي وفي الأخيرة ديار بني قريظة وهم إلى الآن على العهد مع رسول الله عليه الصلاة والسلام والعهد لا يقضي فقط بعدم معاونة قريش بل يقضي أيضًا بالدفاع المشترك مع المسلمين عن المدينة المنورة إذا دهمها عدو أيًا كان هذا العدو لذلك أرسل رسول الله عليه الصلاة والسلام لهم رسالة ليؤكد العهد معهم فأكدوا العهد وتأكيدهم للعهد مهم جدًّا لأن دخول جيوش المشركين من خلالهم قد ينتج عنه إنهاء الوجود الإسلامي تمامًا واستئصال شعب المسلمين بكامله ولم يتبق إذًا إلا منطقة الشمال مفتوحة ولذلك أخذ رسول الله عليه الصلاة والسلام القرار بحفر الخندق في الشمال ليغلق المنطقة ما بين الحرة الشرقية والغربية وإذا كان القرار قد تم اتخاذه بسهولة ويسر إلا أن تنفيذه يُعدُّ مما يقارِبُ المستحيل فمشروع حفر الخندق مشروع لا يتخيله عقل أبدًا ذلك أن عمق الخندق يبلغ خمسة أمتار بينما يصل عرضه في أقل التقديرات إلى خمسة أمتار أيضًا بعض التقديرات تذهب به إلى 10 و12 مترًا ويبلغ طوله اثني عشر كيلو مترًا وهذه الأبعاد تدل على أن الأرض المفروض حفرها يبلغ حجمها 300 ألف متر مكعب .. ولكي نتصور هذا الجهد المبذول لحفر هذا الخندق العظيم كان هناك أستطلاع آراء العديد من المهندسين فأصاب الجميع الذهول !! لأن أفضل عامل اليوم لا تتعدى قدرته على الحفر في اليوم الواحد خمسة أمتار مكعبة هذا إذا كانت الأرض التي يحفرها أرضًا رملية وبعمق متر واحد فقط وكلما زاد العمق قلَّت قدرة العامل على الحفر إن عدد الصحابة في المدينة المنورة جميعًا ثلاثة آلاف وليس من الممكن أن يشتغل جميعهم في الحفر فهناك فرق للحراسة وفرق للخدمة كما يوجد كبار السن ومرضى.
ومع ذلك فلو افترضنا أنهم جميعًا يعملون في الحفر فإنه يستحيل حفر الخندق في الزمن القياسي الذي استغرقه بالفعل حيث استغرق أسبوعين فقط .. فحفر الخندق كان معجزة !! وقصة اراد الله لها ان تكون ذات عبر ومواعظ !! وحكاية تتناقلها كتب السيّر وقد طُبعت فى الاذهان وهى خالدة الى يومنا هذا وقد خلد الله عز وجل احداثها وتفاصيلها فى كتابه الكريم .. وفيها من البطولة والرجولة مالاتسعه السطور !! وقد سُطرت بدماء الشهداء وعزيمة الرجال.


