تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال، وأعاد الله علينا وعليكم الأعياد أعواماً عديدة وأزمنة مديدة ونحن في صحة وعافية وأمان انتهى العيد، وانقضت أيامه الجميلة، لكن بقي سؤال يستحق أن نتوقف عنده قليلاً: هل استمتعنا فعلاً بالعيد؟ أم أننا أمضينا جزءاً كبيراً منه في مقارنة أنفسنا بالآخرين؟
خلال الأيام الماضية لاحظت أمراً يتكرر كثيراً. بعض الأشخاص حرموا أنفسهم من الاستمتاع بالعيد ليس بسبب نقص حقيقي في حياتهم، بل بسبب انشغالهم بما لدى غيرهم. شخص يقارن سفره بسفر الآخرين، وآخر يقارن هداياه بهدايا غيره، وثالث يقارن عدد أصدقائه أو مناسباته أو تفاصيل يومه بما يراه حوله.
ومع كثرة المقارنات تضيع أجمل لحظات الحياة. ننسى أن نفرح بما لدينا لأننا منشغلون بما لا نملك. ننسى النعم الحاضرة أمام أعيننا لأننا نركز على ما عند الآخرين.
الحقيقة أن لكل إنسان ظروفه وتحدياته التي لا نراها. وما يبدو لنا حياة مثالية قد يخفي وراءه الكثير من الصعوبات. لذلك فإن مقارنة حياتنا بحياة الآخرين معركة لا يمكن الفوز بها، لأنها تقوم على رؤية جزء من الصورة فقط.
ومن أعظم الدروس التي يذكرنا بها العيد معنى الشكر والامتنان. فكم من نعمة نعيشها كل يوم حتى اعتدنا عليها ولم نعد نشعر بقيمتها؟ نعمة الصحة، نعمة الأمان، نعمة الأهل، نعمة القدرة على الحركة والعمل والسعي، نعمة الطعام والشراب، ونعمة الاستقرار التي يحلم بها ملايين البشر حول العالم.
هناك من قضى العيد في المستشفيات، وهناك من استقبله في مناطق الحروب والخوف، وهناك من فقد عزيزاً، وهناك من يواجه ظروفاً معيشية صعبة. وبينما ننشغل أحياناً بما ينقصنا، ننسى أن لدينا من النعم ما يتمناه غيرنا.
ولا يعني ذلك أن نتوقف عن الطموح أو الرغبة في الأفضل، بل أن نتعلم كيف نجمع بين الطموح والامتنان. أن نسعى لما نريد، لكن دون أن نفقد قدرتنا على الاستمتاع بما نملكه الآن.
السعادة ليست في امتلاك كل شيء، بل في رؤية قيمة الأشياء التي نملكها بالفعل. والإنسان الممتن لا يعيش حياة كاملة، لكنه يرى النعم الموجودة في حياته بعين مختلفة.
وبعد انتهاء العيد، لعل أجمل ما نحتفظ به ليس الصور ولا المناسبات فقط، بل هذا الدرس البسيط والعميق: لا تقارن حياتك بحياة أحد، ولا تحرم نفسك من الفرح بسبب ما عند الآخرين، وانظر دائماً إلى نعم الله عليك قبل أن تنظر إلى ما ينقصك.
فالشكر يزيد النعم، والرضا يملأ القلب راحة، والامتنان يجعل الأيام أجمل مهما كانت بسيطة كل عام وأنتم بخير، وتقبل الله أعمالكم وطاعاتكم، وأعاد الله علينا وعليكم الأعياد أعواماً عديدة ونحن أكثر امتناناً، وأكثر رضاً، وأكثر قدرة على رؤية الجمال في النعم التي تحيط بنا كل يوم – فالحمد لله دائما وأبدا.



