في زمنٍ تتسارع فيه المصالح وتغلب فيه المظاهر على الجوهر، لم تعد بعض المجالس تؤدي رسالتها الإنسانية كما ينبغي، بل تحوّلت في أحيان كثيرة إلى ساحات للمجاملات الاجتماعية والمنافسات الدنيوية.
ويبرز هذا المشهد بوضوح في مناسبات يفترض أن تكون عنوانًا للمواساة والتراحم، كبيوت العزاء، حيث يُفاجأ المرء أحيانًا بأن الحديث عن العقارات والتجارة والمكاسب المادية يطغى على مشاعر الحزن وحرمة الموقف.
فالعزاء في جوهره ليس مجرد حضور شكلي أو واجب اجتماعي عابر، بل هو وقفة إنسانية صادقة إلى جانب أهل الميت، وتذكير للنفس بحقيقة الفناء وقِصر الحياة.
غير أن بعض المجالس باتت تشهد انشغالًا بأسئلة من قبيل: ماذا يملك هذا الشخص؟ وكم بلغ من الثراء؟ وهل اشترى عقارًا جديدًا أو توسعت تجارته؟ وكأن المناسبة تحولت إلى لقاء لتبادل الأخبار الشخصية واستعراض المنجزات المادية، بعيدًا عن روح المواساة التي شُرعت من أجلها مجالس العزاء.
ويرى علماء الاجتماع أن هذا التحول يعكس تغيرًا في منظومة القيم داخل بعض المجتمعات، حيث أصبحت المادة معيارًا للحضور الاجتماعي والمكانة بين الناس، بينما تراجعت قيم التعاطف والسكينة واحترام مشاعر الآخرين. فحين يفقد الإنسان حسّه الإنساني في المواقف المؤلمة، ويستبدل التأمل في معنى الموت بالتفاخر الدنيوي، فإن ذلك يكشف عن خلل ثقافي وأخلاقي يحتاج إلى مراجعة حقيقية.
إن المجالس الاجتماعية، وخصوصًا مجالس العزاء، ليست مكانًا للمنافسة ولا لقياس أرصدة الناس وممتلكاتهم، بل مساحة للتخفيف عن المصابين ومشاركة الحزن والدعاء للميت. والوعي بهذه الرسالة النبيلة يعيد لهذه المناسبات قيمتها الحقيقية، ويمنحها بعدها الإنساني الذي افتقده البعض وسط ضجيج المظاهر والمجاملات.
ويبقى السؤال الأهم: هل ما زلنا نُحسن فهم معنى المواساة، أم أن القيم تبدلت حتى أصبحت المناسبات الحزينة مجرد تجمعات اجتماعية تخضع لقوانين المظاهر والمصالح؟!
للتواصل مع الكاتب Mmmmssss1411@gmail.com


