كان جدي
كان جدي… كان جدي… كان جدي يفعل ويفعل حسنٌ، وماذا عنك أنت؟
أيُعقل أن يكون للمرء ماضٍ يستعيره من غيره، وحاضرٌ لا يملك أن يتحدث عنه؟
عبارات مكرورة، أرهقت قائلها قبل سامعها، ولا سيما حين تصدر عن رجلٍ خواءٍ من الإنجاز، خالي الوفاض من الأثر، لا يملك من رصيده إلا التعلّق بأمجاد غيره، مرددًا: كان جدي.
لا أحد يجحد فضل جدك، ولا ينتقص من مآثره، فقد كان رجلًا في مستوى زمانه، أدّى ما عليه، ومضى إلى ربه بما قدّم من عمل.
لكن الحديث اليوم ليس عنه، بل عنك أنت فحدّثنا: ماذا صنعت؟ وماذا قدّمت؟ وما الأثر الذي تركته في دينك وقيادتك ووطنك؟
ومن دلائل الفراغ أن ينشغل المرء بالطعن في الناجحين، فيقول: كانوا فراشين فأصبحوا مديرين، أو كانوا فقراء فأصبحوا أغنياء، أو كانوا جهلة فأصبحوا علماء.
وما العيب في ذلك؟ تلك ثمرة كفاحهم، وحصيلة سعيهم. بدأوا من الصفر، فتعلّموا واجتهدوا وصبروا، ففتح الله لهم أبواب التوفيق.
وما أكثر العظماء الذين انطلقت خطواتهم الأولى من مواقع متواضعة، ثم ارتفعوا بالعلم والعمل حتى أصبحوا موضع تقدير واحترام.
فلا تَلُمْ الناس على نجاحهم، ولكن لُمْ نفسك على جمودها، وعلى تراجعها من مرتبة إلى أخرى أدنى منها.
تعلّم من أصحاب الإنجاز، بدل أن تنشغل بالنيل منهم والتقليل من شأنهم.
فالناس لا تُقاس بما كان عليه آباؤهم وأجدادهم، وإنما بما يصنعونه هم من أمجاد، وما يتركونه من أثر.
ويبقى السؤال الذي لا مهرب منه:
جدك ماذا كان؟ هذا أمر نعرفه ونقدّره. أما أنت، فماذا كنت؟ وماذا أصبحت؟
والله أعلم.
للتواصل مع الكاتب 0505300081


