لم يعد من المقبول أن تتوقف طموحات كرة القدم السعودية عند حدود توفير الإمكانات فقط، فالمملكة العربية السعودية قدمت دعماً غير مسبوق للرياضة، ووفرت منشآت حديثة، ومدربين على أعلى مستوى، وتقنيات متطورة تضاهي ما هو موجود في العديد من الدول المتقدمة كروياً في أوروبا وأمريكا اللاتينية. إلا أن هذا الدعم الكبير يحتاج إلى منظومة بشرية قادرة على استثماره وتحويله إلى نتائج ملموسة.
إن النتائج السلبية التي تظهر أحياناً لا تعكس حجم الدعم والإمكانات المتاحة، بل تكشف عن خلل في صناعة اللاعب نفسه، وفي ثقافة الاحتراف التي يجب أن تكون الأساس في مسيرة أي لاعب يسعى إلى تمثيل وطنه وشعاره.
فالاحتراف ليس مجرد عقد أو راتب أو ظهور إعلامي، بل هو التزام كامل يبدأ من الانضباط، واحترام المهنة، والتطوير المستمر، وتحمل المسؤولية داخل الملعب وخارجه.
المشكلة الحقيقية تكمن في أن بعض اللاعبين أصبحوا يعيشون حالة من الاطمئنان الزائد نتيجة الدعم الجماهيري والإعلامي الكبير، ما أدى في بعض الحالات إلى تراجع روح المنافسة والشعور بأهمية المحاسبة. اللاعب المحترف يجب أن يدرك أن مكانه لا يُمنح بالاسم أو الشهرة، وإنما بالعطاء والانضباط والقدرة على التطور المستمر.
إن تضخم الجانب الإعلامي حول اللاعب السعودي دون أن يواكبه تطور فني وسلوكي قد خلق فجوة بين التوقعات والواقع. فالمنافسة العالمية لا ترحم، واللاعب الذي لا يطور نفسه ولا يحترم مهنته سيجد صعوبة في الوصول إلى المستويات التي تتطلبها كرة القدم الحديثة.
ولهذا فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى إعادة هيكلة شاملة لقطاع كرة القدم في المملكة، تقوم على العمل الاحترافي بعيداً عن الألوان والانتماءات، وتضع المصلحة العامة فوق كل اعتبار.
المطلوب إدارة رياضية تُدار بعقلية مؤسساتية، تعتمد على التقييم والمحاسبة والاختيار وفق الكفاءة، وليس وفق العلاقات أو الضغوط الجماهيرية.
كما أن صناعة اللاعب السعودي يجب أن تبدأ من القاعدة، من خلال تفعيل دور الأكاديميات المتخصصة، وتطوير مراحل الفئات السنية، وتعليم اللاعب منذ الصغر معنى الاحتراف الحقيقي، من حيث الانضباط الغذائي والبدني والنفسي والفني. فالأمم المتقدمة كرويا لا تصنع اللاعبين الكبار بالاعتماد على الموهبة فقط، بل من خلال منظومة متكاملة تصقل المواهب وتبني الشخصية الرياضية.
كرة القدم السعودية تمتلك كل مقومات النجاح، والدعم الكبير الذي تحظى به يمثل فرصة تاريخية، لكن النجاح الحقيقي يحتاج إلى لاعب يقدّر قيمة هذا الدعم، وإدارة تطبق أعلى معايير الاحتراف، ومنظومة تعمل وفق رؤية واضحة لصناعة أجيال قادرة على المنافسة محلياً وعالمياً.
إعادة البناء ليست انتقاداً للواقع بقدر ما هي خطوة ضرورية لحماية مستقبل كرة القدم السعودية، وتحويل الإمكانات الكبيرة المتوفرة إلى إنجازات تليق بحجم الطموح.
للتواصل مع الكاتب Mmmmssss1411@gmail.com


