كتب الدكتور – عبد الله عبد فتيني هذه القصة وقال فيها – كانت السماء في ذلك المساء تعد نفسها لطقس غير مألوف فمنذ العصر أخذت الغيوم تزحف من أطراف الأفق البعيدة، متراكمة فوق بعضها بعضًا، حتى بدت كأنها جبال سوداء تتحرك في صمت مهيب. وخفت نور الشمس شيئًا فشيئًا، وانكمشت الظلال في الأزقة والطرقات، ثم هبط على المدينة ذلك الشحوب الذي يسبق العاصفة بلحظات.
كان البرق يشق صفحة السماء فجأة، كأنه سيف من نار، فيكشف البيوت والرواشين والأشجار في ومضة خاطفة، ثم يبتلعها الظلام من جديد. ويتبعه الرعد مدويًا، تتردد أصداؤه بين الجبال والبيوت العتيقة، فتضطرب له النوافذ وترتجف القلوب. وبعدها تنهمر الأمطار بغزارة، كأن السماء قد فتحت أبواب خزائنها دفعة واحدة.
ولطالما رأيت في تلك العواصف صورة صادقة لحياة الناس؛ فما أكثر ما تهب على النفوس من رياح الغضب واليأس وسوء الظن حتى يخيل لأصحابها أن الدنيا قد أظلمت إلى الأبد، ثم تمضي الأيام فإذا بالشمس تعود إلى إشراقها القديم، وإذا بما حسبوه نهاية ليس إلا فصلًا عابرًا من فصول الحياة.
كانت هذه الخواطر تراودني وأنا أدخل قاعة زفاف ابنة أحد أصدقائي القدامى. وكان الفرح في أوجِهِ، الأضواء تتلألأ في السقف، والأصوات تتداخل في نسيج واحد من الضحك والتهاني، ورائحة العود تفوح بين الحاضرين. وفي وسط القاعة كان العريس محمولًا على أكتاف الفرح، يحيط به أصدقاؤه وأقاربه في حلقة واسعة، تتعالى فيها الأهازيج وتتمايل فيها العصي والسيوف في رقصة شعبية قديمة، كأنها بقية من زمن مضى ولم يشأ أن يغادر تمامًا.
تلفتُّ حولي أبحث عن وجه أعرفه، فلم أجد سوى صاحب الدعوة الذي كان مشغولًا باستقبال ضيوفه. عندئذ وقع بصري على شيخ جاوزت السنون به عتباتها البعيدة، يجلس في صدر القاعة على مهل، وقد ارتسمت على وجهه تلك السكينة التي لا تمنحها إلا تجارب العمر الطويل.
شدني إليه شيء لا أعرف كنهه؛ ربما هيبة الوقار، وربما ذلك الحنين الدائم إلى مجالس الشيوخ حيث تختلط الحكمة بالذكرى، ويصبح الحديث رحلة بين أزمنة مختلفة.
جلست إلى جواره، وتبادلنا التحية، ثم انساب الحديث بيننا سلسًا كما ينساب الماء في مجراه القديم. تحدثنا عن الناس، وعن الدنيا، وعن الأيام التي تغيرت فيها الوجوه والعادات، حتى انتهى بنا الكلام إلى الأسرة وما أصابها من وهن، وإلى البيوت التي تهدمت لأسباب كانت فيما مضى تمر كالسحابة العابرة.
هز الشيخ رأسه في أسى، وأرسل بصره نحو العريس الذي يتوسط المحتفلين، ثم قال بصوت خافت: – أتراه هناك؟
قلت: – نعم فابتسم ابتسامة غامضة وقال: – ذلك أصغر أحفادي… أما أبوه حسين، فقصته ما زالت ماثلة أمام عيني كأنها حدثت بالأمس.
وسكت لحظة، ثم أسند ظهره إلى المقعد وأخذ يسترجع الذكريات من أعماق السنين: «عندما بلغ حسين سن الزواج، لم أجد خيرًا من صديقي عمر، رفيق الطفولة وابن سوق الليل، تلك الحارة التي شهدت صبانا ولهونا وأحلامنا الأولى. كنت أعرف الرجل كما أعرف نفسي، وأعرف بيته وأهله وأخلاقه، لذلك قصدته خاطبًا ابنته نادية لابني.
وما إن عرضت عليه الأمر حتى تهلل وجهه وقال: – يا أبا حسين، والله ما بيننا من المودة أكبر من كل كلام. هذا ولدك، وهذه ابنتك، فزوجهما وليبارك الله لهما.
وهكذا تم الزواج، وانتقل حسين ونادية إلى جدة، حيث كان يعمل في الميناء البحري. ومضت الأشهر الأولى هادئة مطمئنة، حتى جاءت تلك الليلة… ليلة لا تزال تفاصيلها تسكن ذاكرتي كما يسكن المطر رائحة التراب
كان الهواء يعصف بالرواشين القديمة، والمطر يهطل بقوة على الأسطح والأزقة، بينما كانت عقارب الساعة تمضي متجاوزة منتصف الليل. كنا قد أوينا إلى فراشنا، وأوشكت البيوت أن تستسلم للنوم حين دوى طرق مفاجئ على الباب.
نزلتُ إلى دهليز الدار، فتحت الباب، فإذا بحسين ونادية يقفان أمامي، وقد ابتلت ثيابهما حتى كأنهما خارجان لتوهما من قلب العاصفة.
نظرت إليهما في دهشة وقلت: – خيرًا يا ولدي، ما الذي جاء بكما في هذا الوقت؟ – يا أبي، لا أريدها، وهي لا تصلح لي ولا أصلح لها. كثرت بيننا الخلافات، وقد قررنا الانفصال كانت كلماته كالصاعقة.»
يقول الشيخ: «شعرت بغضب يجتاحني. لا أدري ماذا اعتراني في تلك اللحظة. ربما غضبت من تسرعهما، وربما خشيت أن أجعل نفسي قاضيًا في نزوة عابرة. لكنني قلت بصرامة وبحدة: – وإن كنت لا تريدها، فلماذا جئت بها إلي؟ خذها إلى بيت أبيها.
ثم أغلقت الباب وصعدت إلى غرفتي، والنار تضطرم في صدري. لم يغمض لي جفن تلك الليلة إلا على مشاعر مختلطة من الحزن والدهشة والغضب.
صعدت إلى غرفتي، لكن النوم جافاني؛ كنت أسمع المطر في الخارج، وأسمع معه صوتًا داخليًا يلومني حينًا ويبرر لي حينًا آخر، حتى أقبل الصباح.
وفي الضحى، جاءني صديقي عمر، وما إن جلس حتى سألني: – ألم يأتك حسين ونادية البارحة؟ قصصت عليه ما حدث، فتنهد وقال: – عجيب! لقد جاءاني أيضًا. وكانت نادية هي التي تتحدث هذه المرة، تؤكد أنها لا تريده، وأن الحياة معه مستحيلة.
ثم ابتسم ابتسامة خفيفة وأضاف: – فقلت لهما: أنا لا أعرف من أمر زواجكما شيئًا، الذي خطبها وزوجكما هو أبوك، فاذهب بها إليه والرأي رأيه.
نظر كل منا إلى الآخر في دهشة. لقد تصرفنا بالطريقة نفسها دون اتفاق مسبق، وكأن الحكمة القديمة قادتنا إلى القرار ذاته.
سألته: – وأين ذهبا بعد ذلك؟ فقال: – لا أدري وبقية القصة كانت أجمل من أن تروى على عجل قررنا أن نذهب إلى شقتهما في جدة لنطمئن عليهما؛ كانت العاصفة قد انقضت، وانكشفت السماء عن شمس مشرقة تبعث الدفء في النفوس، وكأن الليل المضطرب لم يكن سوى ذكرى بعيدة.
وصلنا إلى المنزل، وطرقنا الباب كنا نتوقع بيتًا على وشك الانهيار، ووجوهًا عابسة وقلوبًا متنافرة، لكن ما رأيناه أدهشنا.
كان حسين ونادية يجلسان متقابلين حول لعبة الكيرم، وبينهما إبريق شاي ساخن وبعض الفشار والفصفص. كانت الضحكات تتردد في أرجاء المكان، وملامح الألفة والمحبة تكسو وجهيهما.
نظرنا إليهما، ونظرا إلينا لم نتحدث عن الليلة الماضية، ولم نسأل سؤالًا واحدًا جلسنا قليلًا، شربنا الشاي، ثم غادرنا في هدوء.» وسكت الشيخ برهة، ثم قال وهو ينظر إلى العريس الذي يملأ الفرح حوله: – ومن ذلك الزواج جاء تسعة أبناء، بنين وبنات، وهذا العريس أصغرهم.
ثم أضاف بصوت امتزج فيه الرضا بالحكمة: – ربما بدا موقفنا قاسيًا في تلك الليلة، لكنه أنقذ بيتًا من الانهيار؛ فالخلاف الذي بدا لهما نهاية الطريق لم يكن سوى عاصفة عابرة. ولو وجد كل واحد منهما من يشجعه على الرحيل، لتفرقت الأسرة قبل أن تبدأ.
وأطرق قليلًا ثم قال: – أما اليوم، فكثيرًا ما نسمع من يقول للرجل: اتركها وسنجد لك خيرًا منها، ونسمع من يقول للمرأة: عودي إلى بيت أهلك، وأنت معززة مكرمة محفوظة. وبين هذين الصوتين تضيع بيوت كثيرة، وتمتلئ المحاكم بقصص الفراق.
ثم رفع بصره نحو السقف كأنه يرى تلك الليلة من جديد، وقال: – وينسى الناس أن الرعد يسكت، والبرق يخبو، والمطر يتوقف، وأن الشمس لا بد أن تشرق بعد كل عاصفة.


