لم تعد أخطر الجرائم اليوم هي الجريمة نفسها، بل ذلك الصمت الذي يحيط بها، وذلك الاعتياد الذي يجعل الإنسان يقف متفرجًا بينما تُسلب حياة إنسان آخر أمام عينيه.
ما حدث في الإسكندرية – إن صحت جميع التفاصيل المتداولة وكانت وفق ما ستؤكده التحقيقات الرسمية ليس مجرد واقعة جنائية، فهذه القضايا لها طريقها أمام العدالة، وإنما هو جرس إنذار لمجتمع يواجه تحديات أخلاقية وثقافية لا تقل خطورة عن الجريمة ذاتها.
المؤلم ليس فقط أن خلافًا ينتهي بالعنف، بل أن تتحول الهواتف إلى شهود صامتين، وأن يصبح التصوير عند البعض أسرع من محاولة الاستغاثة، أو طلب النجدة، أو حتى الصراخ لإنقاذ روح توشك أن تُفارق الحياة. لقد أصبح بعضنا يوثق المأساة أكثر مما يحاول منعها.
وهنا يبرز سؤال لا ينبغي تجاهله: كيف وصلنا إلى مرحلة يتراجع فيها الإحساس بالمسؤولية الجماعية؟ وكيف أصبح الخوف، أو اللامبالاة، أو السعي وراء “الترند” أقوى من قيمة الإنسان؟
الدولة يقع على عاتقها دور أساسي في تطبيق القانون بحزم وسرعة، وملاحقة كل من تورط في الجريمة، مع مواجهة انتشار المخدرات والسلاح غير المشروع، لأن الأمن لا يُقاس فقط بسرعة القبض على الجناة، بل أيضًا بمنع الظروف التي تسمح بوقوع مثل هذه الجرائم.
وفي المقابل، فإن المجتمع مسؤول كذلك. فالأسرة، والمدرسة، والإعلام، والمؤسسات الدينية، جميعها شركاء في إعادة بناء منظومة القيم التي تجعل الإنسان يهب لنجدة أخيه، لا أن يكتفي بتسجيل المشهد ونشره.
كما أن تداول المقاطع العنيفة لا يخدم العدالة، بل قد يضاعف الألم لأسر الضحايا، ويترك آثارًا نفسية عميقة لدى من يشاهدها. يكفي أن نطالب بالمحاسبة، وأن نترك التحقيقات للجهات المختصة، دون أن نُسهم في نشر مشاهد تزيد القسوة انتشارًا.
رحم الله كل ضحية، وألهم ذويها الصبر، وحفظ الله مصر من كل سوء، وجعل سيادة القانون، والرحمة بين الناس، هما السلاح الحقيقي في مواجهة هذا النوع من الجرائم.
فالإنسانية لا تُقاس بعدد من شاهد المأساة، وإنما بعدد من حاول أن يمنعها.
للتواصل مع الكاتبة – 201014594607+


