لم يكن “البشت” في المجتمع السعودي مجرد قطعة تُرتدى فوق الثوب، بل كان – وما يزال – رمزاً للوقار والهيبة والوجاهة، وعنواناً من عناوين الهوية الوطنية التي حافظت على حضورها رغم تغير الأزياء والعادات وتطور أنماط الحياة؛ وقد تناولت العديد من الكتابات التاريخية البشت بوصفه أحد أبرز ملامح اللباس العربي الأصيل، لما يحمله من قيمة اجتماعية وثقافية تتجاوز كونه مجرد ملبس ؛ومع اتساع منصات التواصل الاجتماعي، عاد الحديث مجدداً حول سؤال يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه يحمل أبعاداً اجتماعية وثقافية عميقة.
هل يقتصر ارتداء البشت في حفلات الزواج على العريس ووالده وإخوته وأهل المناسبة؟ أم أن من حق الجميع ارتداؤه باعتباره جزءاً من الزي الوطني السعودي؟؛ فقد انقسمت الآراء بين مؤيد ومعارض، ولكل فريق مبرراته؛ فالمؤيدون لتقييد ارتداء البشت يرون أن للمناسبات الاجتماعية بروتوكولاً غير مكتوب، وأن تميز العريس وأسرته ينبغي أن يبقى واضحاً، فلا تتحول القاعة إلى صفوف متشابهة من المشالح التي تُفقد المناسبة خصوصيتها؛ ويستشهد هؤلاء بأن كثيراً من المجتمعات تحرص على إبراز صاحب المناسبة عن الحضور، سواء في اللباس أو في بعض التفاصيل البروتوكولية؛ أما الفريق الآخر، فيرى أن هذا الطرح يُضيّق واسعاً، وأن البشت جزء أصيل من اللباس السعودي، وليس حكراً على أحد؛ فمن حق كل مواطن أن يعتز بزيه الوطني، وأن يرتديه في الأفراح والأعياد والمناسبات الرسمية، بل إن الأجيال السابقة كانت ترتديه في الأسواق، وفي السفر، وفي مراجعة الدوائر الحكومية، وفي المجالس اليومية، دون أن يرى أحد في ذلك انتقاصاً من مكانة صاحب المناسبة أو منافسة له؛ والحقيقة أن الفريقين ينطلقان من حرص صادق؛ الأول يحرص على تميز المناسبة، والثاني يحرص على بقاء الموروث حياً؛ لكن القضية في جوهرها ليست: من يلبس البشت؟ بل كيف يلبسه؟
فالمشكلة ليست في انتشار المشالح، وإنما في غياب الذوق الاجتماعي الذي كان يميز مجتمعنا في الماضي؛ فقد كان الآباء يدركون أن للبشت مكانته، كما كانوا يدركون أن للأعمار مكانتها أيضاً؛ فلم يكن من المقبول أن يرتدي الابن البشت بينما والده يجلس بجواره دون مشلح، أو أن يتقدم الشاب على عمه أو خاله أو أخيه الأكبر في مظهر يوحي بالوجاهة، بينما هم لم يرتدوه؛ ولم يكن ذلك قانوناً مكتوباً، لكنه كان من مكارم الأدب الاجتماعي، ومن صور التوقير والاحترام التي تربى عليها المجتمع السعودي؛ وهنا ينبغي أن نفرق بين الحق والذوق؛
فمن حق الجميع ارتداء البشت، ولا أحد يستطيع أن يمنع ذلك أو يجعله حكراً على فئة معينة، لأن البشت جزء من هويتنا الوطنية، وارتداؤه يعكس الاعتزاز بالموروث السعودي؛ لكن الذوق الاجتماعي يظل عاملاً مهماً في اختيار الوقت والطريقة المناسبة، بحيث لا يتحول المظهر إلى منافسة غير مقصودة، ولا يُشعر كبار السن أو أصحاب المناسبة بأن مكانتهم قد غابت وسط مظاهر متشابهة؛ ومن الجميل أيضاً أن تعود بعض البروتوكولات الاجتماعية التي كانت تضفي على المناسبات هيبتها، مثل أن يحرص الأبناء على سؤال آبائهم قبل ارتداء البشت، أو أن يكون ارتداء كبار الأسرة له حافزاً للأصغر سناً، لا أن يسبقهم الأبناء إليه؛ فهذه التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع الفارق بين مجتمع يحافظ على عاداته، ومجتمع يكتفي بالمظاهر دون مضامينها.
إن البشت ليس ثوباً للمباهاة، بل لباس احترام؛ وهو لا يزداد قيمة بكثرة من يرتديه، وإنما يزداد قيمة عندما يُرتدى في مكانه المناسب، وبالذوق الذي ينسجم مع قيم المجتمع، واحترام الكبير، وتقدير صاحب المناسبة؛
ولعل الرأي الأقرب إلى الحكمة هو أن يبقى الباب مفتوحاً أمام الجميع لارتداء البشت، دون قيود أو احتكار، مع تعزيز ثقافة “الإتيكيت الاجتماعي” التي تحفظ لصاحب المناسبة مكانته، وللكبير وقاره، وللموروث أصالته؛ فالمجتمعات الراقية لا تُدار بالقوانين وحدها، وإنما تُدار أيضاً بالأعراف الجميلة، والذوق الرفيع، والاحترام المتبادل؛ وفي هذا الزمن الذي تتسارع فيه المتغيرات، تبقى بعض التفاصيل الصغيرة قادرة على حماية هويتنا أكثر من آلاف الشعارات؛ والبشت السعودي واحد من تلك التفاصيل التي تستحق أن نحافظ عليها، لا بأن نختلف حول من يرتديه، بل بأن نتفق جميعاً على أن قيمته الحقيقية ليست في خيوطه الذهبية، وإنما في المعاني التي يحملها فوق الأكتاف؛ معاني الوقار، والاحترام، والأصالة، والانتماء.
للتواصل مع الكاتب @mawdd3


