مرثية نثرية بقلم د. خالد الخضري
حين بلغني نبأ وفاة أستاذي وسيدي وصديقي الأجمل والأنبل د. محمد قاري السيد، لم أستطع أن أكتب حرفا واحدا فقط، سوى تغريدة نشرتها عن نبأ الوفاة – الفاجعة – في حينها.
كان الحزن والفجيعة، أقوى من أن تهبني فرصة للصراخ، أو البكاء لأنني لا أجيده بالذات على من هم أكثر قربا من قلبي.
انكفأت على ذاتي من الجمعة الماضية، وحتى إعداد هذا النص اليوم الخميس.
اعتزلت الجميع، حتى الرد على الهاتف.
كانت لحظات تأمل، لحظات مراجعة، وشريط من الذكريات يعود بي إلى معرفتي بالقامة د. محمد، عندما عرفته في الطائف وكان صحفيا حينها في جريدة عكاظ – مكتب الطائف- ومراسل التلفزيون السعودي، نهاية ثمانينات القرن الماضي، كنت حينها طالبا في المعهد العلمي، في المتوسطة.
جاء بي والدي – رحمه الله- لصحيفة عكاظ، حيث كنت أرغب أن أنشر مقالا.
استقبلنا ببشاشة وود يندر أن تجده سوى في الأنقياء، وهم قلة، مما أراح والدي كثيرا، بسمت الرجل وحديثه الجميل، وتشجيعه لابن الـ ١٤ عاما – وهو يرغب أن ينشر- ويتطلع أن يقدم نفسه كاتبا، حيث كنت أزعم حينها أنني أمتلك هذه الموهبة – الكتابة – وفعلا نشر لي حينها مقالا ثم قصة قصيرة، وكان هو من أوائل من حفزني على الكتابة.
لأنه ومن المفارقات بعد ذلك بسنوات وبعد أن أصبحت صحفيا في صحيفة المدينة، كان هو أيضا أول من وجدت منهم الدعم لنشر مجموعتي القصصية الأولى – كوابيس المدينة – وقد قام بمراجعة نصوصها كاملة، حيث كان جيدا في اللغة العربية، و داعما ومشجعا، ودودا مع الجميع.
عملت في أوائل العشرينيات من عمري موظفا في الشؤون الصحية بالطائف – في قسم العلاقات العامة – في حين كان هو قد أسس لجنة التنشيط السياحي بمحافظة الطائف، في مقرها في إمارة الطائف، كما كانت تسمى سابقا، وكان يطلبني بشكل رسمي من مدير الشؤون الصحية بالطائف، للتفرغ معهم في العمل الإعلامي في اللجنة، خلال أشهر الصيف التي كان تصل إلى ٣ أشهر تقريبا.
خلال تلك الفترة توثقت علاقتي به أكثر، وبدأت أعرفه عن قرب، بسماته الشخصية التي كان يتميز بها، كونه إعلاميا صحفيا وتلفزيونيا – معروفا جدا حينها – في الطائف بحكم محدودية وسائل الإعلام فترة تسعينيات القرن الماضي.
يحدث أن يتم اختياري بعدها للعمل مديرا لمكتب صحيفة المدينة بالطائف، فوجدت منه التحفيز والدعم الجاد، حيث زودني بخطاب من المحافظة – شهادة خبرة – عن فترة عملي معهم في التنشيط السياحي أشهر الصيف، – خبرة – في مجال إعداد و صياغة الأخبار الصحفية والمقابلات الصحفية التي كنا نجهزها للجنة.
وكذلك وقوفه إلى جانبي فترة عملي متعاونا مع نادي الطائف الأدبي مسؤولا إعلاميا، ثم مديرا للعلاقات العامة فترة تجاوزت ال ٦ سنوات، وفي سن صغير، بترشيح ودعم أستاذنا القدير القاص الرائد/ محمد الشقحاء – حفظه الله ورعاه- لأنتقل للعمل مديرا لمؤسسة المدينة الصحفية بالطائف – متفرغا – بعد أن استقلت من عملي في الشؤون الصحية بالطائف.
وتحدث مصادفة جميلة، حيث رشح أستاذي د. محمد قاري لإدارة فرع صحيفة الرياض بالطائف – متعاونا – ثم نقوم بشراء مقار للصحيفتين في نفس المبنى – عمائر خلف جماح – وسط الطائف، ونتجاور، ومعنا أيضا صحيفة عكاظ التي كان يديرها في حينها الأستاذ صالح مطر الغامدي.
بدأت الحكاية من هنا، حيث انطلاقة د. قاري في خدمة محافظة الطائف ودوره الريادي في هذا الجانب عبر عمله في التنشيط السياحي وعمله الإعلامي أيضا.
عمل على تأسيس شراكات مع اللجنة، واجتمع برجال الأعمال وسعى إلى أن يصبح في الطائف منتزهات ترفيهية – حيث لم يكن موجودا حينها – مباني لإيواء سياح وزار الطائف.
حيث كانت تعاني الطائف قبل ذلك التاريخ فقرا شديدا في هذا الجانب.
وكان المصطافون الذين يفدون إلى الطائف بكثافة خلال الصيف، يواجهون معاناة شديدة، حيث لم يكن موجودا سوى فندقين ٥ نجوم، وفنادق أخرى صغيرة تعد على أصابع اليد.
كان الأهالي يقومون بتأجير منازلهم أو مزارعهم للزوار والمصطافين، وكانت تعمل مخيمات – من بيوت الشعر – في الهدا والشفا للإسكان المصطافين، لم يكن هناك عمارة شقق مفروشة واحدة في أهم وأجمل مدن الاصطياف في المملكة.
ما يميز الطائف أيضا وجودها على مفترق طرق، حيث أنها طريق القادمين من الرياض والمنطقة الوسطى والشرقية برا للذهاب إلى مكة المكرمة، وطريق القادمين من مدن جنوب المملكة الراغبين الذهاب إلى مكة برا.
فالطائف رغم وجود مدن اصطياف جميلة في جنوب المملكة إلا أنها تمتاز بموقعها الاستراتيجي خلاف جمال جوها العليل طوال السنة، وطبيعتها الخلابة.
هذا ما دعى الرمز الكبير محافظ الطائف الأسبق معالي فهد بن عبدالعزيز المعمر – حفظه الله- أن يعمل جادا لتطوير المحافظة، وأسند حينها مهمة لجنة التنشيط السياحي لأستاذنا د. محمد قاري السيد.
فماذا حدث بشكل مختصر؟
كان د. محمد نشطًا في مرحلة انتقال السياحة السعودية من النشاط التقليدي والموسمي إلى منظومة سياحية مؤسسية مرتبطة بالتخطيط والاستثمار والتسويق، وقد ساهم بشكل فاعل في تعزيز هذا الجانب عبر التالي:
1. تأسيس العمل السياحي المؤسسي في الطائف
كان د. محمد قاري السيد عضوًا مؤسسًا للجنة التنشيط السياحي بالطائف وأمينًا عامًا لها، ثم أصبح مديرًا تنفيذيًا لجهاز السياحة بالطائف التابع للهيئة العليا للسياحة. وتذكره المصادر الرسمية ضمن الشخصيات التي أسهمت في بناء النشاط السياحي المنظم بالمحافظة.
وهذا في رأيي من أهم أدواره؛ لأنه انتقل بالسياحة في الطائف من مجرد نشاط موسمي إلى عمل تخطيطي وتسويقي وتنموي أكثر تنظيمًا.
2. وضع الدراسات الخاصة بتنمية السياحة في الطائف
بحكم تخصصه في التخطيط الاستراتيجي للسياحة، شارك في إعداد الدراسات التي تستهدف تحديد المواقع السياحية الجديدة وتطوير القائمة منها.
ومن الأمثلة الموثقة عام 2006، قيادته لفريق من جهاز السياحة لزيارة بني سعد وبالحارث ودراسة إمكاناتهما الطبيعية والسياحية تمهيدًا لإدراجهما ضمن الوجهات السياحية الواعدة وخارطة الاستثمار السياحي.
كما شملت الرؤية مناطق جنوب الطائف مثل ميسان، ثقيف وبني مالك، بهدف تحويل المقومات الطبيعية إلى وجهات سياحية قابلة للتنمية والاستثمار.
3. دعم الاستثمار السياحي
في عام 2006 كان جهاز السياحة بالطائف، تحت إدارته التنفيذية، يتابع نمو القطاع السياحي والمشروعات الجديدة.وتشير إحدى الصحف إلى وجود أكثر من 20 مشروعًا سياحيًا قيد التنفيذ آنذاك، بينها فنادق من فئة خمس نجوم ومجمعات سياحية، إضافة إلى خطط لإضافة أكثر من 1500 وحدة سكنية سياحية، لرفع الطاقة الاستيعابية للإيواء بالطائف.
وهذا يكشف أن دوره لم يكن مجرد تنظيم مهرجانات؛ بل كان مرتبطًا أيضًا بجذب المستثمرين وتطوير البنية الاقتصادية للسياحة.
4. تطوير التسويق السياحي للطائف
من الأعمال اللافتة في عهده إطلاق وتوزيع خريطة سياحية تفصيلية للطائف ومواقعها السياحية.
وكانت الخريطة توزع في المنافذ البرية، ومطار الطائف، والفنادق، والمتنزهات والمنتجعات والقرى السياحية؛ بهدف مساعدة الزائر على الوصول إلى المواقع السياحية والتعرف إلى الخدمات المتاحة.
وفي مرحلة لاحقة وصل توزيع المطويات والبروشورات والخرائط السياحية إلى أكثر من 160 ألف نسخة، مع إصدار 14 مطوية متخصصة تتناول الفنادق والمتنزهات والمطاعم والأسواق والمتاحف والمنتجعات وغيرها.
وكان هناك أيضًا هاتف سياحي لتوجيه المصطافين والزوار.
5. مهرجان الورد الطائفي
هذا من أبرز الملفات التي يظهر فيها اسمه بوضوح.
شارك في تنظيم وتطوير مهرجان الورد الطائفي، الذي أصبح لاحقًا أحد أبرز المهرجانات المرتبطة بهوية الطائف السياحية.
في مهرجان 2007، كان د. قاري مديرًا تنفيذيًا لجهاز السياحة، وأعلن مشاركة أكثر من 50 مزرعة ومعملًا من أشهر منتجي دهن الورد وماء الورد ومشتقاته.
وفي مهرجان 2008 كان يتحدث عن تطوير الفعاليات وزيادة مشاركة الجهات المختلفة، كما أشار إلى أن مهرجان العام السابق تضمن زيارات للزوار إلى مزارع الورد ومعامل التقطير في الهدا والشفا للتعرف عمليًا على زراعة الورد وقطافه وتقطيره.
والأهم اقتصاديًا أن تقديرات مهرجان 2008 التي أعلنها قاري وصلت إلى 10 ملايين ريال من العوائد المتوقعة واستهداف أكثر من 115 ألف زائر وسائح.
وفي 2009 كان يوضح أن الهدف من المهرجان ليس الترفيه فقط، وإنما زيادة الجذب السياحي، ودعم مزارعي ومصنعي الورد، وخلق فرص عمل، وتحقيق عوائد اقتصادية للمجتمع المحلي.
وهذا مهم جدًا عند تقييم أثره؛ لأنه يوضح أنه كان يتعامل مع الورد الطائفي باعتباره منتجًا اقتصاديًا وسياحيًا وهوية للمدينة.
6. مهرجانات الطائف الصيفية
كان أيضًا جزءًا أساسيًا من منظومة تنظيم مهرجان الطائف الصيفي.
ففي افتتاح مهرجان الطائف 27 عام 2006، ألقى كلمة اللجنة العامة للتنشيط السياحي بصفته المدير التنفيذي لجهاز السياحة.
وفي مهرجان الطائف 29 عام 2008 كان حاضرًا رسميًا بصفته أمين عام اللجنة ومدير جهاز السياحة خلال افتتاح المهرجان بحضور أمير منطقة مكة ومحافظ الطائف.
7. الاهتمام بالتراث العمراني للطائف
وهذه نقطة أرى أنها مهمة جدًا في سيرته وربما لا يعرفها كثيرون.
لم يكن اهتمامه بالسياحة الحديثة فقط؛ بل اتجه إلى توثيق التراث العمراني للطائف.
فقد أعد كتاب:
«ملامح من التراث العمراني في محافظة الطائف»
وصدر الجزء الأول منه عام 2010 بالتعاون مع النادي الأدبي الثقافي بالطائف وعدد من الجهات.
والكتاب تضمن صورًا نادرة للبناء العمراني بالطائف، وسلط الضوء على التراث الحجازي والبلدة القديمة والعناصر المعمارية التي تميز المدينة.
كما افتتح معرض للتراث العمراني في قصر شبرا وألقى كلمة حول تنوع التراث العمراني للطائف وما يعكسه من تحولات ثقافية واجتماعية عبر تاريخ المدينة.
وهنا يظهر جانب آخر من مشروعه: الحفاظ على هوية الطائف التاريخية بالتوازي مع تطويرها سياحيًا.
8. توثيق السياحة في الطائف بالكتب والدراسات
له كتاب بعنوان:
«السياحة في محافظة الطائف: صناعة السياحة في المملكة العربية السعودية»
وصدر عن اللجنة العليا للتنشيط السياحي بالطائف عام 1420هـ، وهو موثق ضمن المصادر المرجعية الخاصة بالطائف.
وهذا يعني أنه لم يكن إداريًا فقط؛ بل كان يحاول أيضًا تأصيل المعرفة العلمية حول السياحة في الطائف وتوثيق مقوماتها.
9. العمل الثقافي كان عضوًا في مجلس إدارة النادي الأدبي الثقافي بالطائف، وشارك في الحياة الثقافية بالمحافظة. وتذكر المصادر الرسمية سيرته باعتباره صاحب عدد من المؤلفات.
كما أن علاقته بالإعلام قديمة جدًا؛ فقد عمل في المجال الصحفي والإعلامي، وتشير مادة تاريخية عن إعلام الطائف إلى أنه كان من العاملين في مكتب عكاظ بالطائف، كما كان يذيع نشرات التلفزيون السعودي في فترة مبكرة من تاريخ المركز الإعلامي بالطائف.
وتذكر مصادر النعي الحديثة كذلك عمله مديرًا لمكتب جريدة الرياض بالطائف ومشاركته في البرامج التلفزيونية والأنشطة الثقافية.
10. المجال الاجتماعي والثقافي
وكان أستاذنا القدير – رحمه الله – لا يكتفي بالعمل الرسمي.
ففي عام 2008، قام بتكريم الصحفي والمؤرخ حماد السالمي، مدير مكتب الجزيرة بالطائف ونائب رئيس النادي الأدبي، وأعد له كتيبًا خاصًا طُبع بهذه المناسبة، بحضور عدد من مثقفي وأعيان وصحفيي الطائف.
وهذا يعكس شبكة علاقاته الواسعة داخل الوسط الثقافي والإعلامي بالطائف.
كما قام بتكريمي أنا شخصيا عندما غادرت الطائف للعمل في الرياض – وكانت المناسبة أيضا – صدور كتابي: فن الخبر الصحفي حيث عمل حفل التكريم في فندق شيراتون الهدا بالطائف، وشارك عدد من الكتاب في تقديم أوراق عمل عن الكتاب، علما بأن كان الداعم والمحفز لي لإصدار هذا الكتاب، وهو من ساعدني في فكرة الكتاب وتأليفه، ودعمني في إصداره عن طريق نادي الطائف الأدبي عندما كان عضو مجلس إدارته.
وكذلك دوره معي في دعمي لاكمال دراستي والدراسات العليا، وأثناء بحثي الماجستير والدكتوراه، ولم يكن داعما لي فقط، بل هناك جيل كامل من أبناء الطائف يدين له بالفضل، خلاف طلابه الذين درسهم إبان عمله في مجال التعليم، وأثناء عمله محاضرا في كلية المعلمين بالطائف حيث كنت أحد طلابه في تلك الفترة.
ويمكن وصف شخصية د. محمد قاري بأنه كان من أبرز الشخصيات التي شاركت في تشكيل الهوية السياحية الحديثة للطائف من عدة محاور:
التخطيط السياحي → الاستثمار → التسويق → المهرجانات → الورد الطائفي → الوجهات الطبيعية → التراث العمراني → التوثيق والكتب → الإعلام والثقافة.
وعلى ثقة تامة بأنني لم أوف الرجل حقه حيال ما قام به من جهود عظيمة في خدمة سياحة وثقافة الطائف، لكنه جهد المقل في تقديم شيء ولو يسير في حق هذه الشخصية العملاقة.
رحم الله أستاذي القدير د. محمد قاري السيد رحمة الأبرار وأسكنه فسيح جناته.



