بدون شكّ انها ظاهرة أزلية في مجتمعات البشر في ميزان العلاقات الإنسانية، ثمة مفارقة عجيبة تستوقف المتأمل؛ إذ يُفترض بالاستقامة، والنزاهة، والمروءة أن تكون خصالاً تجلب لصاحبها الثناء والالتفاف. لكن الواقع والتاريخ يثبتان العكس في كثير من الأحيان، حيث يجد الإنسان المستقيم نفسه مرمى لسهام النقد، وهدفاً لحملات التشويه والعداء. هذا المشهد المتكرر ليس وليد اليوم، بل هو ظاهرة اجتماعية ونفسية عميقة تستدعي القراءة والتحليل.
أولاً: الدوافع النفسية وراء معاداة الاستقامة إن محاربة الشخص المستقيم لا تنطلق عشوائياً، بل تحركها دوافع دفينة في نفوس مناوئيه، ويمكن إجمال أبرزها في الجدول التالي: وجود شخص مستقيم يمثل مرآة تكشف عيوب الآخرين وتقصيرهم؛ لذا يحاولون تشويهه ليشعروا بالراحة النفسية. وهذه تسمى عقدة النقص (المرآة العاكسة) التميز الأخلاقي والقبول الحقيقي (وإن قلّ الداعمون علناً) يورث حسداً في نفوس من عجزوا عن بلوغ تلك المرتبة وهذا يسمى حسد الاقران.
ثانياً: ضريبة التميز وإرث العظماء لم يكن طريق المبادئ يوماً مفروشاً بالورود؛ بل هو الطريق الذي سار عليه الأنبياء، والمصلحون، والأخيار عبر التاريخ، فواجهوا من أقوامهم أشد أنواع التكذيب والأذى “إن أشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل” هذه القاعدة الكونية تؤكد أن العداء ليس دليلاً على الخطأ، بل هو في كثير من الأحيان ضريبة يدفعها صاحب المعدن الصلب الذي يرفض الانحناء مع الرياح المتلوّنة، ويفضل الثبات على الحق ولو سار في الطريق وحيداً.
ثالثاً: حتمية الانقشاع وتأثير “لسان الحسود” من سنن الحياة أن الباطل لجلج وأن الحق أبلج، ومهما بلغت كثرة القال والقيل المحيطة بالشخص المستقيم، فإن الزبد يذهب جفاءً ويمكث في الأرض ما ينفع الناس. وكثيراً ما تنقلب محاولات التشويه إلى وسيلة لنشر فضائل هذا الشخص دون قصد من محاربيه، كما صاغ ذلك الشاعر الحكيم أبو تمام في رائعته: فالنقد الجائر يُمحّص الأخلاق، ومع مرور الأيام تنجلي الغبرة، فيرى المجتمع نبل المستقيم وثباته، بينما يسقط المتحدثون في بئر النسيان أو الملامة.
رابعاً: واجب المجتمع والوعي الفردي أمام هذه الظاهرة، يقع على عاتق العقلاء وأصحاب المروءة مسؤولية أخلاقية واجتماعية تتلخص في ثلاث خطوات أساسية:
1. التبين والوعي: عدم الانجرار خلف “الهجمة الجماعية” أو الإشاعات، فالحق لا يُعرف بكثرة التابعين، بل بوضوح المبدأ.
2. نصرة المظلوم وشهادة الحق: إن الذبّ عن عرض الإنسان المستقيم في غيبته وبيان حقيقته بالحق هو من أعظم أبواب النزاهة والمروءة.
3. الدعم الصامت والدعاء بالثبات: الاستمرار في طريق الاستقامة وسط أمواج التشكيك يحتاج إلى صبر عظيم، وكلمة طيبة واحدة قد تكون وقوداً للثبات والمعدن الأصيل لا يغيره الغبار.
ختاماً، إن كلام الناس كالغبار؛ إن لم يطر في الهواء سقط على الأرض ليداس، ولا يمكن لغبار القيل والقال أن يغير من طبيعة الذهب أو يقلل من قيمته. سيبقى المستقيم على استقامته، مستمداً قوته من مبادئه ونقاء سريرته، ولن يصح في نهاية المطاف إلا الصحيح.
للتواصل مع الكاتب 0504361380


