كثيرًا ما يُقدَّم التشافي وكأنه مرحلة جميلة وسهلة؛ تستيقظ بعدها كل يوم وأنت أكثر هدوءًا وسلامًا، لا تغضب، ولا تتأثر، ولا تستفزك تصرفات الآخرين. لكن الحقيقة مختلفة تمامًا.
التشافي ليس سهلًا، وليس طريقًا مستقيمًا قد تعيش يومًا تشعر فيه براحة عميقة، وكأن شيئًا ثقيلًا انزاح من داخلك. تشعر بالسلام، وتقول: ربما انتهيت، ربما وصلت أخيرًا.
ثم تستيقظ في اليوم التالي غاضبًا تعود مشاعر قديمة كنت تظن أنك تجاوزتها. تتذكر مواقف، وأشخاصًا، وكلمات، وتشعر برغبة شديدة في الرد. قد تجد نفسك في داخلك تخاطب كل شخص أزعجك: أنت فعلت كذا، وأنت قلت كذا، وأنت جرحتني، وأنت السبب في هذا الألم.
قد تتخيل أنك تواجههم وتقول كل ما لم تستطع قوله في وقته وفي تلك اللحظات قد تشعر أنك فقدت هدوءك، وربما تخشى أن يراك الآخرون بصورة مختلفة. ماذا لو ظنوا أنني غاضب؟ ماذا لو قالوا إنني أبالغ؟ ماذا لو رأوني بصورة غير مثالية؟
لكن جزءًا من التشافي هو أن تتوقف عن العيش طوال الوقت من أجل الصورة التي يريدها الآخرون عنك ليس مطلوبًا أن تكون مثاليًا طوال الوقت وليس مطلوبًا أن تعجب الجميع وليس مطلوبًا أن تبدو هادئًا بينما يوجد داخلك غضب لم يُسمح له بالتعبير عن نفسه.
أحيانًا تحتاج المشاعر إلى أن تُرى أولًا، وأن تعترف بوجودها، بدلًا من إنكارها ومع مرور الوقت، قد تلاحظ شيئًا غريبًا وجميلًا في الوقت نفسه الأشخاص الذين كانوا يحتلون مساحة كبيرة في ذهنك يبدأون بالتلاشي الموقف الذي كنت تعيده عشرات المرات في رأسك لا يعود حاضرًا بالقوة نفسها.
الكلمات التي كانت تجرحك تبدأ بفقدان تأثيرها والغضب الذي كان يستهلك جزءًا كبيرًا من يومك يبدأ بالانخفاض ليس لأن ما حدث لم يكن مؤلمًا، وليس لأنك قررت فجأة أن كل شيء على ما يرام، وإنما لأنك بدأت تتحرر من حمله المستمر.
وهنا تظهر إحدى أهم نتائج التشافي:
أن الحدث قد يبقى في ذاكرتك، لكن الألم لا يبقى بالحدة نفسها قد تتذكر ما حدث، لكنك لا تعيشه مرة أخرى قد تتذكر الشخص، لكنك لا تشعر بالحاجة إلى مواجهته قد تتذكر الموقف، لكنك لا تحتاج إلى إثبات شيء لأحد.
وهذا التغيير لا يحدث في يوم واحد.
قد تشعر أنك وصلت إلى مرحلة كبيرة من الوعي، ثم يأتي اليوم التالي فتجد نفسك تعود إلى ردود الفعل القديمة تهدأ قليلًا، ثم تغضب تتقبل، ثم ترفض تشعر بالسلام، ثم تعود بعض المشاعر القديمة تتقدم خطوة، ثم تشعر وكأنك تراجعت خطوات.
وهذا التناقض قد يجعلك تتساءل: هل أنا فعلًا أتشفى؟ نعم، قد تكون في الطريق، حتى مع وجود هذه الانتكاسات الشعورية فالتغيير الداخلي ليس خطًا مستقيمًا.
أحيانًا تحصل على يوم أو يومين من الراحة، ثم تعود موجة من الغضب، وبعدها فترة من الهدوء، ثم يظهر شعور قديم من جديد لكن الفرق الحقيقي قد يكون في شيء صغير جدًا: أن مدة الغضب تقل، وأن قدرتك على العودة إلى نفسك تزداد في البداية قد يأخذ منك الموقف أيامًا.
ثم ساعات ثم وقتًا أقصر ثم يصبح مجرد شعور يمر بك، ولا يسيطر عليك وهنا تبدأ تلاحظ النتيجة لا يوجد احتفال كبير لا يوجد تصفيق وقد لا يتغير واقعك بالطريقة التي كنت تتمناها لكن شيئًا في داخلك يتغير لا تعود تحمل غضب الأمس إلى يومك الجديد.
لا تستيقظ وأنت تحمل جرحًا يريد أن ينزف من جديد لا تعيش طوال الوقت في حالة دفاع أو خوف أو استفزاز تبدأ تشعر بالراحة ثم بالهدوء ثم بالرضا ثم بالحضور وتكتشف أن بعض الأشياء التي كنت تعتقد أنك تحتاج إلى تغيير العالم من أجلها، كنت تحتاج أولًا إلى تغيير علاقتك بها.
والأجمل من ذلك أنك تبدأ باكتشاف نفسك تكتشف لماذا كنت تغضب لماذا كنت تبحث عن قبول الآخرين لماذا كنت تحاول أن تظهر بصورة مثالية لماذا كنت تخشى أن يراك الآخرون ضعيفًا أو غاضبًا أو مختلفًا.
وتبدأ فكرة “يجب أن أكون مثاليًا” في التلاشي وتتلاشى معها فكرة “يجب أن يعجب بي الجميع” وتتراجع حاجتك إلى تفسير نفسك طوال الوقت وهنا يصبح التشافي أعمق من مجرد التخلص من موقف مؤلم.
إنه انتقال من حياة تقودها ردود الفعل إلى حياة يقودها الوعي وقد تصل في مرحلة معينة إلى لحظة تندهش فيها من نفسك تقول: كيف أصبحت هكذا؟ كيف استطعت أن أمر من هذا الموقف دون أن أنهار؟ كيف أصبح الشخص الذي كان يستفزني لا يعني لي الشيء نفسه؟
كيف أصبحت أستطيع أن أرى ما حدث دون أن أشعر بأنني أعيشه من جديد؟ وقد تكون هذه المفاجأة واحدة من أجمل نتائج الرحلة أن تكتشف نسخة من نفسك لم تكن تعرف أنها موجودة التشافي لا يعني أنك لن تغضب مرة أخرى ولا يعني أنك لن تتألم ولا يعني أن الماضي سيُمحى.
التشافي يعني أنك تتعلم كيف تشعر دون أن تصبح مشاعرك هي التي تقود حياتك تسمح للغضب أن يظهر، ثم يمر تسمح للحزن أن يُرى، ثم يهدأ تسمح للخوف أن يتحدث، ثم تعود إلى الحاضر ومع كل مرة تحرر فيها شعورًا قديمًا، تصبح المساحة داخلك أوسع وفي النهاية، ربما لا تكون النتيجة أن تصبح حياتك مثالية.
بل أن تصبح أنت أكثر قدرة على عيشها بسلام وهذا هو الفرق الحقيقي قد لا يتغير العالم من حولك كما تمنيت، لكنك قد تتغير أنت بطريقة تجعلك ترى العالم بطريقة مختلفة تمامًا وعندما تصل إلى هذه المرحلة، لن تحتاج إلى أن تثبت لأحد أنك تشافيت.
سيظهر ذلك في هدوئك، وفي ردود أفعالك، وفي قدرتك على ترك ما لا تستطيع تغييره، وفي قدرتك على العودة إلى نفسك بعد كل موجة وقد تنظر إلى نفسك يومًا وتقول: الحمد لله… لم أعد الشخص نفسه.
للتواصل مع الكاتبة m_mrr@



