في كل عام ومع حلول اليوم الوطني تمتلئ الشوارع بالأعلام وتتزين السيارات والمنازل بألوان الوطن وتنتشر العبارات والصور والأهازيج الوطنية في وسائل التواصل الاجتماعي. مشهد جميل يعكس الفرح بهذه المناسبة ويعبّر عن مشاعر الانتماء والاعتزاز بالوطن.
ولا حرج في كل ذلك.. فالوطن يستحق أن نفرح به وأن نعبر عن محبتنا له وأن نحتفي بتاريخه ومنجزاته وقيادته.
لكن الوطن أكبر من شعار وأعمق من صورة وأبقى من احتفال فالوطنية الحقيقية لا تقاس بعدد الأعلام التي نرفعها ولا بعدد العبارات الوطنية التي نكتبها ولا بما نضعه في حساباتنا من صور وملصقات هذه كلها مظاهر للتعبير عن المشاعر لكنها لا تمثل جوهر الوطنية ولا تختصر معناها الحقيقي.
ان تحب وطنك قبل كل شيء عليك أن تعرف تاريخه وأن تستشعر قيمة الأرض التي تنتمي إليها وأن تدرك حجم التحولات التي مرت بها هذه البلاد حتى وصلت إلى ما هي عليه اليوم.
فعندما نتحدث عن المملكة العربية السعودية فإننا نتحدث عن قصة وطن بدأت من مشروع توحيد جمع الشتات تحت راية التوحيد على يد المؤسس الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن ال سعود رحمه الله لتبدأ بعدها مسيرة بناء دولة حديثة رسخت حضورها ومكانتها على المستويين الإقليمي والدولي.
إن معرفة هذه القصة ليست ترفا ثقافيا وإنما جزء من الوعي بالوطن فمن الصعب أن نقدر ما نعيش فيه من أمن واستقرار وتنمية إذا لم نعرف كيف تشكل هذا الكيان وما التحديات التي واجهها وكيف انتقل من مرحلة التأسيس ومرحله القبلية المتناحرة إلى مراحل البناء والتطوير.
والوطن أيضا ليس مجرد أرض نعيش عليها إنه مكانة دينية استثنائية ومسؤولية عظيمة ففي هذه البلاد مكة المكرمة والمدينة المنورة أطهر البقاع وأقدسها وإليها تتجه أفئدة المسلمين في أنحاء العالم وهذه المكانة تمنح المملكة خصوصية تتجاوز حدود الجغرافيا وتحملها مسؤولية تاريخية ودينية تجاه العالم الإسلامي…ومن هنا فإن حب الوطن ينبغي أن يتجاوز حدود المشاعر إلى دائرة المسؤولية.
أن تحب وطنك يعني أن تكون مخلصا في عملك أمينا في مسؤوليتك حريصًا على مقدراته محافظًا على ممتلكاته ملتزما بأنظمته ومشاركا في بناء مجتمعه.
وهنا تكمن المسألة الأهم الوطنية ليست ما نقوله في المناسبات وإنما ما نفعله عندما تنتهي هذه المناسبات فالاحتفال ينتهي والأعلام تعود إلى أماكنها والصور تختفي من شاشات الهواتف لكن مسؤولية الإنسان تجاه وطنه لا تنتهي بانتهاء اليوم الوطني
إن أجمل تعبير عن حب الوطن أن يتحول الشعور إلى سلوك والانتماء إلى عمل والاعتزاز إلى إنجاز…أن تسأل نفسك في نهاية كل يوم ماذا قدمت لوطني؟ هل أتقنت عملي؟ هل حفظت الأمانة؟ هل ساهمت في خدمة مجتمعي؟ هل حافظت على مكتسبات بلادي؟ هل كنت جزءا من الحل عندما واجهتني مشكلة.. أم اكتفيت بالشكوى وتحميل الاخرين المسؤولية..؟
نحن بحاجة إلى أن ننتقل بالوطنية من موسم الاحتفال إلى ثقافة الحياة بحيث يصبح احترام النظام وطنية وإتقان العمل وطنية والمحافظة على البيئة وطنية وحماية الممتلكات العامة وطنية والصدق في التعامل وطنية والحرص على سمعة الوطن وإنجازاته وطنية والالتفاف حول القيادة وطنية فالأوطان لا تبنى بالأغاني وحدها ولا بالشعارات وحدها وإنما تبنى بالإنسان.
تبنى بالعلم والعمل والإتقان والانضباط كل عام ووطنا اجمل.
للتواصل مع الكاتب [email protected]



