هدم القدوة.
-يُقال إن خراب الأرض يبدأ برحيل علمائها، وهي حقيقة يدركها معظم الناس، ولا تحتاج إلى كثير من الجدل أو التفصيل. وما هذه العبارة إلا مدخل إلى قضية أراها أخطر من مجرد غياب العلماء، وهي: هدم القدوة واختلال موازينها.
-فالخراب الذي يهدد مجتمعاتنا العربية، وخصوصًا مملكة العز، لا يكمن في غياب أصحاب المكانة فحسب، وإنما في تغيّر مفهوم القدوة، وانحراف البوصلة التي تحدد من يستحق أن يُقتدى به.
-فقد كنا، وإلى عهد قريب، نرى القدوة في الملوك والأمراء والعلماء والأدباء؛ أولئك الذين كانت لهم مكانتهم، وعُرف عنهم الفضل والعطاء، وتركوا أثرًا في مجتمعاتهم، وكانوا يمثلون نماذج تُحترم وتُحتذى.
-لكننا اليوم نشهد تغيرًا واضحًا في المشهد؛ إذ تحولت أنظار بعض الناس من أصحاب العلم والفكر والإنجاز إلى شخصيات لا تقدم معرفة، ولا تحمل رسالة، ولا تملك مشروعًا يتجاوز حدود الشهرة والظهور. بل أصبح الكذب والتهريج والفراغ الفكري عند البعض مادةً للمتابعة، ونموذجًا يحظى بالإعجاب والتقليد، وهذه ظاهرة تستحق الوقوف عندها طويلًا.
-ومن هنا أقول: تمسّكوا بقدواتكم الحقيقية، ولا تسمحوا لأحد أن يسرق منكم بوصلتكم. اجعلوا قدوتكم ملوككم وأمراءكم وعلماءكم وأدباءكم، وكل من عُرف بالعلم والعمل والإنجاز وخدمة الناس؛ فالأوطان لا تُبنى بالصخب، ولا تنهض بالفراغ، وإنما تُبنى بالعقول والهمم والقيم.
-أما الأمر الآخر، وهو في نظري أشد خطورة، فيتمثل في المبالغة في تضخيم قضايا الحب والعشق والغرام، حتى تحولت عند بعض المجتمعات من مشاعر إنسانية طبيعية إلى محور يستنزف الوقت والاهتمام، وتُقام من أجله المواسم والمهرجانات والفعاليات.
-وليس الاعتراض على المشاعر الإنسانية في ذاتها، فالمشاعر جزء من طبيعة الإنسان، وإنما الاعتراض على تحويلها إلى قضية مركزية تستنزف الطاقات، وتصرف الإنسان عن أولوياته ومسؤولياته، وتدفعه إلى الانشغال بما لا يضيف إلى حياته علمًا ولا عملًا ولا إنجازًا.
-وما يعنيني قبل كل شيء هو ما يتصل بديني، ثم مليكي ووطني؛ ولذلك أؤكد أن الدين، ثم المليك والوطن، ثوابت لا يجوز المساس بها أو الانتقاص من مكانتها، وأن المحافظة عليها مسؤولية تتجاوز الكلمات إلى الوعي والسلوك والممارسة.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع ليس أن يفقد بعض رموزه، وإنما أن يفقد معاييره في اختيار القدوة؛ فإذا اختلت القدوة، اختلت معها الأولويات، وإذا اختلت الأولويات، أصبح الطريق مفتوحًا أمام الفراغ ليحتل مكان العلم، والضجيج مكان الإنجاز، والشهرة مكان القيمة.
وهذه ليست دعوة إلى العودة إلى الماضي، وإنما دعوة إلى أن نعرف ونحن نتقدم إلى المستقبل: من نضع في مقدمة المشهد، ومن نمنحه ثقتنا، ومن نسمح له بأن يكون قدوةً لأبنائنا؟
فالأوطان لا تُبنى بالقدوات الزائفة، وإنما تُبنى برجال ونساء يتركون أثرًا حقيقيًا، وبعلماء ومفكرين ومبدعين وأصحاب إنجاز، وبجيل يعرف قيمة العلم والعمل والمسؤولية.
للتواصل مع الكاتب 0505300081



