هناك رجال ورموز وقامات تستحق أن تُستنفر لها الأقلام ، وترتفع لها الأصوات ذِكراً وثناءً وتمجيدًا ، لأنّها قامت بدورها خير قيام ، وأدت رسالتها على أحسن وجه وأجمل صورة ، وصنعت لنفسها قيمة ومكانة عند الناس ، جعلتهم يحترموها ويقدّروها في حياتها ويذكروها ويدعون لها بعد موتها.
وضيف هذه الحلقة أحد هذه الرموز والشخصيات التي حباها الله مكانة وحُبّا في قلوب الخلق ، فهي تحمل بين أضلعها كتاب الله ، وتتسم بأخلاق إسلامية رفيعة ، ونفس طيبة ، أتقنت في أداء رسالتها التربوية والإدارية حتى بلغت ذروتها ، وكتبت اسمها في سجل رموز التعليم في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلّم.
ضيفنا اليوم هو المربي الفاضل حافظ القرآن والمُعلم الماهر والإداريّ الحاذق الشيخ : عمر محمد الحيدري رحمه الله قبل أيام قلائل فقدت المدينة المنورة هذا المربي الفاضل أحد أبنائها الكرام البررة ، وَفَقْدُه أحزن قلوب الكثيرين ، وأدمع عيون المُحبّين ، وكدّر نفوس التربويين في مدينة خاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم.
وُلد الأستاذ عمر الحيدري على تراب هذه المدينة الطاهرة عام ١٣٤٩هـ وبالتحديد في حارة الأغوات بجوار المسجد النبوي الشريف ، ونشأ وتربى في الجوار الشريف ، وكانت نشأته رحمه الله في ظروف أسرية صعبة ، حيث فقد والده وهو في سن مبكرة فأجبرته هذه الظروف بالالتحاق بدار الأيتام عام ١٣٥٧هـ وتلقى تعليمه فيها وحصل على الشهادة الابتدائية منها عام ١٣٦١هـ.
ومع بدايات التعليم النظامي واصل دراسته وحصل على شهادة الكفاءة عام ١٣٦٦هـ بدأ حياته العملية في سن مبكرة وعمل مُوظفاً سكرتيراً لمدير البريد بالمدينة لمدة عامين.
في عام ١٣٦٨هـ انخرط في سلك التعليم فعُيّن مُدرسًا في مدرسة النجاح الابتدائية بالمدينة ، عقبها تدرج في وظائف التعليم حتى تم تعيينه مديرا لإحدى المدارس عام ١٣٧٧هـ بعدها في عام ١٣٨١هـ عُيّن مديرا للمدرسة الناصرية والتي ظلّ فيها سنوات طويلة.
وإذا سلّطنا الضوء على جانب آخر من أنشطة واهتمامات الفقيد الأستاذ عمر غير التعليم ، نجد له حضور في الجوانب الاجتماعية والرياضية فتولى رئاسة عدة لجان منها رئاسة مجلس إدارة الجمعية التعاونية لموظفي الدولة بالمدينة المنورة وكان الأستاذ عمر من مؤسسي نادي الأنصار الرياضي بالمدينة وعمل فيه سكرتيرا.
وبعد رحلة عمل طويلة حافلة بالعطاء والإنجاز والكفاح أُحيل الفقيد الغالي الأستاذ عمر إلى التقاعد عام ١٤٠٤هـ لبلوغه العُمر النظامي ، إلا أنه تم تمديد خدمته عامين تقديراً لحفظه لكتاب الله.
واستمرّ رحمه الله بعد تقاعده مُلازما الصلاة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقراءة القرآن وتعليمه ، إلى أن فاضت روحه الطاهرة إلى بارئها بعد عُمر قارب المائة عام وكان ذلك يوم السبت الموافق ٢٢ ربيع الثاني ١٤٤٨هـ ٣ نوفمبر ٢٠٢٦م في مدينة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وتم الصلاة عليه في المسجد النبوي الشريف ، ودُفن في بقيع الغرقد بجوار آل البيت والصحابة والتابعين رضوان الله عليهم أجمعين.
رحم الله شيخنا الجليل وأستاذنا القدير عمر الحيدري وغفر له وجزاه خيرا عن كل ما قدّمه لوطنه ومدينته وطلابه ومجتمعه وجعل الله له ذلك في موازين حسناته يوم القيامة إنه سميع مجيب.
حفظ الله مملكتنا الغالية ومليكنا خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي عهدنا الأمين الأمير محمد بن سلمان وأدام الله علينا نعمه الظاهرة والباطنة إنّه سميع مجيب.
للتواصل مع الكاتب ٠٥٠٥٣٠١٧١٢

الراحل – الشيخ : عمر محمد الحيدري


