في جوهر هذه الخاطرة أن الله لا يقاس بالمخلوقات ولا تختزل عظمته في الصور التي يصنعها البشر عنه وأن الايمان العميق لا يمنع السؤال بل يدعو إلى فهم أكثر دقة للنصوص وإلى تنزيه الخالق عن كل مماثلة للمخلوق – وحين يحاصر الانسان عظمة الخالق في تصوراته المحدودة كيف للانسان أن يتأمل كوناً بهذه السعة وأرضاً لا تمثل إلا جزاءً ضئيلاً منه ووجوداً تتكشف أسراره كلما تقدم العلم ثم يتصور الخالق من خلال صور ذهنية بشرية محدودة وكأن عظمة الله يمكن أن تختزل في تصوراتنا عن الجسد والحركة والانفعال إن السؤال الجوهري هنا ليس إنكار ما رود في القرآن وإنما كيف نفهم النصوص التي تتحدث عن الله من دون أن نجعل الخالق شبيهاً بالمخلوق أو نحصر صفاته في خيالنا البشري – يقول تعالى ( ليس كمثله شيئ وهو السميع البصير ) هل نتصور الله بمقاييس الانسان حين يسمع الانسان ألفاظاً مثل اليد والعين والإستواء والغضب والفرح قد يستحضر تلقائياً معانيه الحسية التي يعرفها من تجربته البشرية وهنا تظهر المشكلة التي أشير إليها – هل يجوز أن تتحول اللغة التي نستخدمها لفهم النص القرآني إلى صورة جسدية نتخيل بها الخالق.
في التراث الاسلامي إتجاهات متعددة في الاجابة إتجاه التفويض يثبت النصوص الواردة في الصفات ويفوض كيفية إتصاف الله بها إليه مع إختلاف العلماء في حدود التفويض أهو في الكيفية أم في المعنى أيضاً إتجاه التأويل يفهم بعض ألفاظ الصفات على معان تليق بالله وفق السياق واللغة كفهم اليد في بعض السياقات بمعنى القدرة أو النعمة حيث يسوغ ذلك التفسير إتجاه الاثبات بلا تكييف ولا تمثيل إنها ليست كصفات المخلوقيين ولا يجوز تخيل كيفيتها أو تشبيهها بالأعضاء البشرية لذلك ليس كل من أثبت صفات الله قد جعله جسداً كما أن بعض صور الفهم الحسي قد تفتح بالفعل باباً للتجسيم الذي رفضه كثير من علماء المسلمين والمعيار الدقيق هنا أن لا نخلط بين إثبات النص وتحديد معناه وتخيل كيفية الصفة فهذه أمور مختلفة الفرح والغضب الرباني ورد في القرآني وقد أختلف العلماء في تفسير حقيقتها وكيفيتها مع نفي مماثلتها لإنفعال البشر – يقول القران ( وسع كرسيه السماوات والارض ) ويقول وهو العلي العظيم – وكثير مثل هذه الآيات تدعو إلى إستحضار عظمة الله وعلوه لكنها لا تمنح الانسان ترخيصاً لتخيل الكيفية التي يكون عليها الغيب أو لتحديد أبعاد العرش وطبيعته من عنده.
أما تعبير الملأ الأعلى فقد ورد في القران في سياق الحديث عن الملائكة وما يجري في العالم العلوي وهو من أمور الغيب التي ينبغي تناولها بقدر ما تدل عليه النصوص لا بما تضيفه المخيلة البشرية إليها والاهم أن وجود الملائكة والرسل لا يعني علم الله أو تدبيره يحتاح إليهم كما يحتاج البشر إلى الأعوان ففي العقيدة الاسلامية الله غني عن العالمين والملائكة عباد مكرمون يعملون بأمره وليسو شركاء له في الألوهية.
الخاتمة الله أكبر من أن تحيطه مخيلتنا – هل نعبد الله كما دلّت عليه النصوص أم نعبد الصورة الذهنية التي كوناها عنه ليس المقصود أن نلغي النصوص أو نخضعها لأهوائنا بل أن نقرأها بوعي لغوي وعقلي وأن نميز بين ما يقوله النص فعلاً وما نضيفه نحن إليه من تصورات – فالإنسان الذي أكتشف المجرات وأدرك ضآلة الارض في الكون وعرف أن ما تراه عيناه ليس إلا جزءًا محدوداً من الواقع جدير به أن يتواضع أمام ما لا يعرفه لا أن يتوهم أن مخيلته قادرة على الاحاطة بحقيقة الخالق.
للتواصل مع الكاتب 0554231499


