في السادس عشر من نوفمبر من كل عامٍ، يحتفل العالم بقيمة عظمية، بمبدأ إنساني، بخلق نبيل، وبطوق نجاة من كل حقدٍ وعداوةٍ وضغينة، يحتفل بنسيان ما مضى، وتجاهل ما يحلقه من أذى، ورغبة صادقة في طيب العيش والفنى.
يحتفل العالم في هذا التاريخ باليوم العالمي للتسامح أو ما يعرف باليوم الدولي للتسامح، وذلك بناءً على الإعلان الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام ١٩٩٣م بأن عام ١٩٩٥م هو عام الأمم المتحدة للتسامح، وتم التأكيد على مبادئ التسامح على أساس القرار الذي تبنته الدول الأعضاء في المؤتمر العام لليونسكو وعقدت الجلسة في ١٦ نوفمبر ١٩٩٥م.
ولما كان الإسلام دين عالمي يتجه برسالته إلى البشرية كلها؛ رأيت لو أن أكتب مقالاً عن آليات التسامح في الخطاب القرآني، نظرًا لأن القرآن يمثِّل أكثر مرجع ديني يعتني بالإنسان من حيث تصفية سلوكه وتهذيبه وتوجيهه وإرشاده؛ نجد أن مفهوم التسامح ومضمونه حاضرًا في الرسالة القرآنية رغم أن الكلمة لم ترد صريحة في القرآن الكريم، ولكن أسسها وحقيقتها غالبة في الخطاب القرآني، فمن الآيات التي حددت الرؤية القرآنية.
قوله تعالى {خُذ ِالْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف آية ١٩٩] ، فهذه الآية قد جمعت مكارم الآخلاق، ووجه جمع هذه الآية الكريمة للفضائل والمكارم حسب توجيه ابن عاشور؛ أن التصرفات الأخلاقية لا تخلو من ثلاث حالات فهي إما عفو عن الظلم، وإما أن تكون إعراضًا عن العمل الغير اللائق، والحالة الثالثة فعل خير وتحصيل فضيلة، فأما الحالة الأولى مطلوبة في قوله تعالى (خُذ ِالْعَفْوَ)، وأما الحالة الثانية هي المقصودة في قوله (وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ)، وأخيرًا الحالة.
الثالثة هي المراد من قوله (وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ)، فتأسيس الرؤية القرآنية للتسامح يكون من مجموع الأوامر الثلاثة في الآية، ووجه الدلالة أن قيمة التسامح تسعى لهدف واحد وهو إفشاء السلم وإيجاد التعايش وهو ذات الهدف الذي تحيل إليه الآية وتقصده وراء هذه الأوامر، ولترسيخ مبدأ التسامح يلاحظ أن القرآن الكريم يتخذ آليات عديدة ووسائل متنوعة في ذلك ولعلَّ من أبرزها:
– الصبر: يمثل الصبر أهم الآليات القرآنية لإيجاد التسامح، وأتت مشروعيته باعتباره عبادة ذات أهمية، وتعني «حبس النفس على ما تكره ابتغاءً مرضات الله»، فيأتي الصبر مساعدًا للإنسان في تحمل الأذى وتحمل الظلم، ومن الآيات التي جاءت لتؤكد أن الصبر آلية أساسية لترسيخ التسامح قوله تعالى {وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} [الشورى آية ٤٣]، فنجد أن الآية الكريمة تدعو إلى تحمل الأذى بالصبر بدل الإساءة بالمثل، ويبدو أن مشروعية الصبر في هذا السياق الذي يتحدث عن المسيء يعكس الصبر من جهة وكونه آلية قرآنية للتسامح من جهة أخرى.
– الصفح: يقول سبحانه وتعالى في كتابه الكريم {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور آية ٢٢]، قال ابن كثير في تفسيره للآية الكريمة: “فمن عفا عفا الله عنه، ومن صفح صفح الله عنه، ومن غفر غفر الله له، ومن عامل الله فيما يحب، وعامل عباده كما يحبون وينفعهم، نال محبة الله ومحبة عباده، واستوثق له أمره” ، فالصفح أيضًا يعد أهم آلية قرآنية للتسامح ووسيلة مركزية في القرآن لتكريس مبدأ التسامح.
– الصلح: الإصلاح من مكارم الأخلاق العظيمة، فقد حث عليها الشرع في أكثر من مناسبة، كما في قوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ} [الأنفال آية ١] ، فهي وسيلة من القرآن الكريم تستل بها الضغائن وتصفو بها القلوب، فذكر القرآن للصلح يحث المؤمن أن يجعل الإصلاح بين الناس أهم أهدافه في الحياة، ومما يدل أيضًا على عظم فضيلة الإصلاح أن الإسلام أباح الكذب للإصلاح بين أهل الخصومة، قال صلى الله عليه وسلم:(لَيْسَ الْكَذَّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ فَيَنْمِي خَيْراً أَوْ يَقُولُ خَيْراً) رواه أحمد، وقال أحد العلماء: (إن الله أحب الكذب في الإصلاح وأبغض الصدق في الإفساد) فتنبهوا لذلك، بناء على ذاك يعتبر الصلح كذلك آلية قرآنية للتسامح.
– مقابلة الإساءة بالعفو والإحسان: يدعو ديننا الإسلامي عباده الرد على الإساءة بالإحسان، وذلك لنشر عاطفة وقيم الأخوة والمحبة بين الناس، والحد من العداء والكراهية والبغضاء بين الناس امتثالاً لقوله تعالى {وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [فصلت آية ٣٤] ، وهذا ما يدل على التسامح في العقيدة الإسلامية.
اقتصرت في المقال على ذكر أربع آليات ولكن عند الرجوع للقرآن نرى أن لا حصر للخطاب القرآني في آليات التسامح فمنها أيضًا، الإستغفار، الشورى، المجادلة بالتي هي أحسن، كل هذه الأمور تعد آليات للتسامح يحث عليها القرآن في سبيل هدف واحد وهو إفشاء السلم وإيجاد التعايش.
ولما تقدَّم فالقرآن الكريم اهتم بالتسامح وحرص على تكريسه من خلال آليات يتوصل بها المؤمن إلى التسامح ويتحلى بهذا الخلق الذي به يرتفع قدرًا إلى الخالق ويكسب رضاه، أخيرًا يقول أحمد شوقي:
تسامحُ النفس معنىً من مروءتها
بل المروءةُ في أسمى معانيها
تخلقِ الصفحَ تسعدْ في الحياةِ به
فالنفسُ يسِعدُها خلقٌ ويشقيها.
للتواصل مع الكاتبة iushumukh@gmail.com

