تتفاوت مجالس الإقراء في هيئتها وأجوائها من شيخٍ لآخر، فلكلِّ شيخٍ منهجه في إقرائه، ولكلِّ مجلسٍ من تلك المجالس حالها وأحوالها دعوني أنتقل بكم إلى مجلس شيخ القُرَّاء بالمسجد النبوي الشريف، شيخنا الشيخ/ إبراهيم بن الأخضر –حفظه الله وأطال عمره على طاعته -،وأخصُّ بالذكر مجلسه الذي ينعقد في بيته العامر،ذلك المجلس المهيب في بدايته، البديع في تمامه ونهايته يبدأ المجلس في الموعد المتفق عليه مُسبقًا.
لا تكاد تحيد عقارب الساعة عن دقتها في بدء ذلك المجلس، وقبل أن يبدأ الدرس يرحِّب شيخنا بكلِّ واحدٍ من تلامذته منفردًا، كلٍّ باسمه، حامدًا المولى على سلامة الوصول إن كان التلميذ من خارج المدينة النبوية، سائلًا عن أهله ومن يعرفهم من جهته، بعدها يبدأ الدرس بقراءة التلميذ الذي وصل أولًا، حينها يمتنع الكلام، ولا يُسمح به إطلاقًا، فالدرس حين يبدأ له طقوسه وقدسيته، الكل مستمعٌ ومنصت، يتعلَّم ويستفيد من ملحوظات ذلك التلميذ، وتصحيح شيخنا له؛ فشيخنا دقيقٌ في استماعه، يمتلك أُذُنًا حساسة جدًا من حيث الأداء، لا يترك شاردةً ولا واردةً إلا ويتأكَّد منها بدقَّة؛ بل قد يصل الأمر أن يطلب من تلميذه إعادة الكلمة القرآنية حتى تصل في جودتها إلى معياره المطلوب. تعرفُ من إشارات يده أثناء الإقراء ما هو الخطأ، وما الذي يريد؟ تركيزٌ منقطع النظير، فالآية الأخيرة عنده في الدرس مثل الآية الأولى، لا يكاد يفوته شيء، ينتهي التلميذ الأول، ثم يأتي التلميذ الذي بعده، وهكذا بنفس المعايير، وبنفس الدِّقة، وبنفس التركيز، إنها بركة القرآن تبدو واضحةً جليَّةً في حواس ذلك الرجل.
وبعد أن تنتهي تلك المرحلة الجادَّة، تبدأ مرحلة أخرى مثيرة تُشبه ذلك الجليد الذي أشرقت عليه شمس الصباح، فيبدأ يذوب ذلك الجِدُّ، ويحلُّ محله الأُنس، واللطافة، والفُكاهة المحببة للنفس، ممزوجة بالبدائع التفسيرية، والبلاغية، والتربوية، بل وحتى الأُسرية.
كم هو جميلٌ ذلك المجلس،فأنت تجلس مع شيخٍ قد جمع بين الظرافة والحزم في آنٍ واحد، شيخ يحمل في داخله خبرات السنين، وتجارب الأيام، شيخٌ جابَ الأمصار، وسافر إلى بلادٍ كثيرة، يُعطيك من تجارب سفره وترحاله الشيء الكثير، شيخٌ عاصر أصنافًا من الناس بمختلف ثقافاتهم وجنسياتهم.
وإذا أراد أن يحكي لك موقفًا، أو قصةً من قَصصه التي لا تنتهي، فيقصُّها عليك بتفاصيلها وأحداثها كأنما تراها أمامك رأي العين، بأسلوب شيِّق، وطريقة جاذبة، فسبحان من وهبه تلك الطريقة في السرد، وذلك البيان.
أما إذا أراد أن يُعطيك من جُعبة طُرَفه، فذاك موضوعٌ آخرٌ أخشى لو خضتُ فيه، قد لا أستطيع إكمال هذا المقال !! مجلسٌ عجيبٌ فريدٌ، تخرج منه منشرح الصدر، مرتاح البال، لن تندم أبدًا على المسافة التي قطعتَها سفرًا إليه، بل قد تنسى ذلك العناء والجهد بعد أن ترتوي فيه رُوحك، ويستنير فيه عقلك، ويبتهج فيه قلبك.
ومهما قلتُ فليس الخبر كالمعاينة، وبيتُ القصيد أنَّ مجالس الإقراء ليست مقتصرة على تقويم الأداء فحسب؛ وإنما هي أيضًا محلُّ اطمئنانٍ للقلوب، وترويحٌ للنفس المتعبة من كدر الحياة، ومصدر إلهامٍ لتربيتها وتزكيتها، وموردٌ عذبٌ لاستسقاء الحكمة، ومنهلٌ لظمأ الأرواح، فالقرآن لم ينزل لتقويم حروفه فقط؛ وإنما نزل لتدبره، واستخراج مكنونه، والاستمتاع بمعانيه، يقول ربنا جلَّ في علاه: { كِتَـٰبٌ أَنزَلۡنَـٰهُ إِلَیۡكَ مُبَـٰرَكࣱ لِّیَدَّبَّرُوۤا۟ ءَایَـٰتِهِۦ وَلِیَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلۡأَلۡبَـٰبِ }
[سُورَةُ صٓ: ٢٩] ذلكم هو مجلسُ شيخنا الأخضر ..كأنما هو واحةٌ من المسك الأذفر.
للتواصل مع الكاتب mawlawi1402@gmail.com

