هناك رجال من أبناء هذا الوطن من الجيل الأول شقُّوا طريقهم في الحياة بصعوبة وعَرَق وجُهد وسقف عالٍ من المعاناة ، هؤلاء من الناس إذا ذَكَرتَهُم احترمتهم وأثنيت عليهم ، وإذا كَتَبْتَ عنهم تنافست الكلمات والعبارات العطرة في مدحهم والثناء عليهم.
شخصية هذه الحلقة تُجسّد لنا هذه المعاني وهذه المعاناة ، كانت له قصة حياة صعبة لكنّها في النهاية قصة نجاح تُروَى للأجيال ، كان له قَصَب السّبق في افتتاح أول مدرسة لتعليم قيادة السيارات بالمدينة ، شخصية اليوم هو الشيخ : سليمان بن دخيل الله النزاوي رحمه الله وُلد في محافظة العُلا التابعة لمنطقة المدينة المنورة عام ١٣٤٤هـ عاش هذا الرجل العصامي يتيم الأبوين وهو في السنة الأولى من عُمره وتكفّله بالرعاية ابن عمّه الشيخ حمّاد رحمه الله.
درس وتعلّم في الكتاتيب وحفظ أجزاءً من القرآن الكريم وبعضًا من العلوم الشرعية منذ بداية مشواره في الحياة اعتمد الشيخ سليمان على نفسه في بناء حياته وتأمين مستقبله ، عند بلوغه الرابعة عشر من عُمره خرج مع زمرة من أقرانه مُتّجهين سيرًا على الأقدام من العُلا إلى الأردن وفلسطين يبحثون عن لقمة العيش حيث اجتاح البلاد في تلك الفترة الزمنية جفاف وقحط شديدين ، وممّا خفّ وطأة تلك الشدّة انتشار مبرات الملك المؤسس عبدالعزيز رحمه الله التي كانت تجوب البلاد.
اختار الشاب المُكافح سليمان العمل في مصنع الفوسفات الرصيفة في الأردن واستمرّ فيه قراب العامين بعدها رجع إلى وطنه ومدينته العُلا مشيًا على الأقدام وكان ذلك في عهد الملك عبدالعزيز ، حيث استقرّ به الحال وعمل مراقب أمن على طُرق سفر القوافل شمال المملكة وتنقّل في عدة مراكز كان آخرها عردة القريبة من تيماء.
عمل بعدها سنوات في جهاز اللاسلكي ، وبعدها انتقل إلى وزارة الزراعة في مدينة العُلا في بداية الثمانينات الهجرية ، انتقل عمله بعدها إلى أمارة منطقة المدينة المنورة وفيها برز ولَمَع نجمه بإخلاصه وتفانيه واتقانه للأعمال التي وُكّلت إليه واكتسب من خلال ذلك ثقة أمير المنطقة آنذاك صاحب السمو الملكي الأمير عبدالمحسن بن عبدالعزيز رحمه الله.
بعد هذا المشوار الشاق الطويل الممزوج بالجُهد والتعب والعَرَق تقاعد الشيخ سليمان من العمل الوظيفي وكان ذلك عام ١٣٩٤هـ اتّجه الشيخ إلى وِجْهَة أخرى في حياته حيث أدار البوصلة نحو الأعمال التجارية والعقارية والفندقية ومواقع إسكان الحجّاج.
استطاع الشيخ سليمان أن يُسابق الزمن ويتحدّى الصعاب بإصراره وعزيمته وحُبّه لوطنه فكان له السَبق في إنشاء مشروع مدارس تعليم قيادة السيارات ، فكان عام ١٣٩٦هـ ميلاد أول هذه المدارس في المدينة المنورة ثمّ تتابع افتتاح العديد منها في أنحاء مملكتنا الغالية.
عُرف هذا الرجل الفاضل بأمانته وعصاميته وطموحه اللامحدود وحُبّه وسعيه في فعل الخير للمدينة وأهلها الكرام نال الشيخ سليمان بهذه الخصال المباركة ثقة الناس والأمراء وملوك هذه البلاد الغالية حاز قبل سنوات من وفاته على جائزة الملك الراحل خالد بن عبدالعزيز رحمه الله اشتهر الشيخ سليمان بالكرم والجُود وكان بيته مفتوحًا للجميع تُقضى في دهاليزه حوائج الناس حتى أُطلق عليه.
( بيت جبر الخواطر ) كما كان له اسهامات كثيرة في الأعمال الخيرية والمجالات الاجتماعية تكفّل رحمه الله بإنشاء مشروع الجمعية الخيرية في ينبع النخل وسخّره الله في بناء مساجد في المدينة وبعض مدن المملكة وبعض المدن في البلاد العربية والإسلامية كما كان رحمه الله له أوقافًا خيرية خاصة منذ أكثر من ثلاثين عامًا قبل وفاته سخّر جميع قنواتها لأبواب الخير.
وفّقه الله في آخر حياته بملازمة المسجد النبوي الشريف وأداء الصلوات في رحابه المباركة كانت رحلة هذا الرجل العصامي رحلة حياة شاقة في بدايتها ، مُباركة في نهايتها اقتربت من المائة عام ، بعدها لاقى ربّه في رحاب المدينة المُباركة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام بتاريخ ١ / ٢ / ١٤٤٤هـ وتمّ الصلاة عليه في المسجد النبوي الشريف ودُفن في بقيع الغرقد بجوار آل البيت والصحابة والتابعين رضوان الله عليهم أجمعين.
رحم الله الشيخ سليمان النزاوي وجعل كل ماقدّمه لدينه ووطنه وأمّته من أعمال خيرية وإنجازات وطنية في ميزان حسناته يوم القيامة.
وإلى اللقاء في حلقة جديدة بإذن الله تعالى مع قامة رفيعة وشخصية جديدة من أبناء مدينة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
للتواصل مع الكاتب ٠٥٠٥٣٠١٧١٢


