ما حان الوقت أن يُستنفر الإعلام ، وينسكب مداد الأقلام ، ويتكلّم الخُطباء ، ويتحدّث العُقلاء ، وَيَنْصَح الحكماء ، بإيقاف هذا النزيف الدامي الذي أصاب مجتمعنا في مقتل ، شتّت الشمل ، وفرّق الجمع ، وَخَرَب البيوت ، وأذرف الدموع من عيون بريئة ، وعُوقبوا الأبناء بلا ذنب ولا خطيئة.
هل قست قلوب الأمّهات على أبنائها وتحجّرت ، هل سُلبت العاطفة من الآباء وتمرّدت ، ماذا أصابنا وماذا جرى لنا والأسى نتاج هذه الظاهرة يلتفّ حولنا.
هل باتت العِشْرَة بين الحَبِيبَيْن تهُون ، والمودّة بين الزوجين بسهولة تختفي وتزول ، هل انتُزعت الرحمة والحنان من قلوب الأمّهات ، وهل ماتت الشفقة والرأفة في نفوس الآباء.
هل أصبح الأبناء في نظر الأبوين سلعة رخيصة ليس لها عندهما قيمة ، عَاقَبُوهُم بالشتات في طفولتهم وزهرة حياتهم ، حكموا عليهم بالضياع والحرمان بلا خطيئة ولا جريمة.
أعلم أنّها مُقدّمة مأساوية ، لكن ما نعيشه اليوم من حالات الخُلع والطّلاق والفراق والشتات هي أكثر مأساوية وسوداوية من هذه الكلمات ، بل هي أشدّ مرارة وقسوة من هذه العبارات.
الاحصائيات التي نطالعها بين الحين والآخر والأوضاع التي نشاهدها ونسمعها حولنا عن حالات الطلاق في بلادنا والبلدان العربية تُصيبنا بالفزع والألم والإقتراب من ضياع الأمل.
الغريب في الأمر .. أنّ الطلاق والفراق أصبح لا يقتصر فقط على حديثي الزواج ومَن لهم سنوات قليلة ( بالطبع هُم الأكثر ) لكن تجاوز ذلك ممّن أمضوا في زواجهم عقدًا أو عقدين أو ثلاثة عقود ، منهم مَن زوّج أبناءهم وبناتهم ثمّ افترقا لقد امتلأت الساحة بالضحايا ياقَوْم.
ماذا أصابنا بالله عليكم ماذا أصاب نساءنا ورجالنا ، هل ضعُف لديهما الوازع الديني ، هل انعدم الصبر فيهما ، هل تناسوا الفضل بينهما ، هل الأنانية وحُبّ الذات خيّما على حياتهما فأنسياهما فلذات أكبادهما ، هل نسيا الآخرة ونعيمها وتمسّكا بالدنيا وزيفها وخدعة بريقها.
أين أمّهات التضحيات ، أين بنات الرجال العاقلات ، أين الصابرات على أزواجهنّ في المِحَن والعثرات ، أين المحتسبات اللاتي يسعين في إرضاء أزواجهنّ للفوز بجنّة عرضها السموات والأرض كما جاء في قوله صلى الله عليه وسلم : ( أيّما امرأة ماتت وزوجها عنها راض دخلت الجنّة ).
أين النساء اللاتي كُنّ لا يلفظن بكلمة ( طلّقني ) حتى ولو اشتدّ الأمر عليها خوفاً من الله تبارك وتعالى وحياءً من الناس ، وخشيتها أن يشملها الحديث الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أيّما امرأة سألت زوجها طلاقًا من غير بأس فحرام عليها رائحة الجنّة ).
وفي المقابل أيضاً.. أين الأتقياء العُقلاء من الرجال ، أين رجال المُروءة والشهامة ، أين رجال الهَيْبَة والقَوَامَة ، أين هُم الذين ناشدهم سيدنا رسول الله صلى اللهُ عليه وسلم وهو في سكرات الموت : ( استوصوا بالنساء خيرا ) أين هُم ممّن قال فيهم عليه الصلاة والسلام : ( خيركم خير كم لأهله وأنا خيركم لأهلي ) أين المحتسبين من الرجال الصابرين المتسامحين والغاضّين الطرف عن هفوات وسقطات زوجاتهم ، إذا أغضبهم جانبًا رضوا بالجانب المُضيء فيهنّ.
قال عليه الصلاة والسلام : ( لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خُلقًا رضي منها خُلقًا آخر ) معناه لا يبغضها بأخلاقها إن كره منها خُلقًا رضي منها خُلقًا آخر.
والكثير على يقين بأنّ : الحياة الزوجية بل الحياة بأكملها أقصر وأضيق من أن تكتنفها وتحاصرها وتلتفّ حول خَصْرِها المشاكل والشكاوي والعدَاوات ، ويغلب عليها الضيق والغم والهم والخصومات ، وتنكسر فيه خواطر الأبناء والبنات ، ويتشتّت شملهم ويعيشوا عيشة التُعساء وحياة البؤساء.
من المؤسف يُصبح حال الأبناء بعد الطلاق : أطفال تائهون ، البعض يعيش مع أمّهاته ويفتقد رعاية الأبوّة ، والآخر يعيش مع آبائه ويفتقد حنان وعطف الأمومة ، أو يعيشون بدونهما ويفتقدون دلال وحنان وعطف ورعاية وعناية الاثنين والله أعلم بمستقبلهم والآتي من حياتهم.
ماذا تتوقعون أن تنشأ هذه الشريحة من الأطفال ، وماذا ستكون نظرتهم للحياة والقادم من الأيام ماهي نظرتهم غداً عندما يكبرون حيال آبائهم وأمهاتهم الذين تنازلوا وفرّطوا بهم من أجل ما يُسمّى بالحريّة والأنانية وحُب الذات والمُكابرة والعناد و( أريد أن أعيش حياتي ) و( أنا ومن بعدي الطوفان ).
وأخيراً.. أرجو وأتمنى في حالة نُشوب خلاف واختلاف بين الزوجين وخاصة ( حديثي الزواج ) واستدعى الأمر تدخّل الآباء والأمهات للإصلاح وفض النزاع أن يكون تدخّلهما يتّسم بالحيادية والعقلانية والهدوء والحكمة ، ويقوم والد ووالدة الزوج وأيضاً والد ووالدة الزوجة بتهدئة الإثنين والإستماع منهما بإنصات عن مواضع الخلاف بوجودهما سويًّا معًا ( وجهاً لوجه ) . ومن ثمّ طرح الحلول المناسبة لهما ، وإفهامهما أنّ الحياة الزوجية تحتاج لوقت طويل للتعوّد والتأقلم والصبر والمصابرة والتسامح والتنازل وغض الطرف ، وأنّ لكل منهما حقوق يجب احترامها والالتزام بها.
وإفهامهما أنّ الطلاق ليس حلًا للمشاكل .. وهل يضمن كلا منهما بعض الطلاق أن يتزوّجا ويرتبطا بزوج أو زوجة كما يريدان خاليان من العيوب والهفوات والزلاَّت ، هذا من المستحيلات ، فسبحان صاحب الكمال والجلال والجمال.
الخوف أن يكون أعداء الإسلام بأفكارهم الهدّامة وإعلامهم الرخيص قد نفذُوا إلى بيوتنا ، وتسلّلوا إلى عقول رجالنا ونسائنا ، ونفثوا كالأفاعي سمومهم فينا ، ونشروا حقدهم الدفين وفكرهم الضال في كل مفاصل حياتنا حتي نُصبح كما يريدون وكما هُم فيه من الضَيَاع والتفكّك الأسري والعقوق والفساد والاضمحلال والانحطاط وعدم الاستقرار.
أسأل الله الكريم الهداية والرُشد والصواب والتوفيق لنا ولكم ولجميع أبناء وبنات المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.
للتواصل مع الكاتب ٠٥٠٥٣٠١٧١٢

