أصبح غياب الكادر الإعلامي المتخصص ظاهرة ملموسة. هذه الظاهرة لا تعكس فقط تحدياً في جودة المحتوى الإعلامي، بل تثير أيضاً تساؤلات حول مستقبل مهنة الإعلام بأسرها. في المقابل، نرى ازدياداً ملحوظاً في عدد غير المتخصصين الذين يشغلون مناصب إعلامية رئيسية، مما يؤدي إلى تداعيات خطيرة على مصداقية الإعلام ودوره الأساسي في المجتمع.
أن الإعلامي المتخصص هو الشخص الذي يمتلك خلفية أكاديمية وتدريبية في مجال الإعلام، مما يؤهله للتعامل مع المعلومات بمهارة وموضوعية. فالإعلام ليس مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل هو عملية معقدة تتطلب فهماً عميقاً للسياسة، الاقتصاد، الثقافة، وأخلاقيات المهنة. الإعلامي المتخصص هو من يملك القدرة على تحليل الأحداث وتقديمها في سياقها الصحيح، مما يعزز من ثقة الجمهور في المحتوى الإعلامي.
غياب الكادر الإعلامي المتخصص يؤدي إلى عدد من التداعيات السلبية على الساحة الإعلامية. أولاً، ينعكس ذلك على جودة المحتوى الإعلامي، حيث يفتقر غير المتخصصين إلى المهارات اللازمة لتحليل الأخبار والتعامل مع مصادر المعلومات بطريقة مهنية. هذا النقص في المهارات يؤدي إلى انتشار الأخبار غير الدقيقة والتحليلات السطحية، مما يقلل من ثقة الجمهور في وسائل الإعلام.
ثانياً، غياب الكادر المتخصص يضعف من قدرة المؤسسات الإعلامية على الحفاظ على المعايير الأخلاقية والمهنية. الإعلامي غير المتخصص قد لا يكون مدركاً لأهمية التحقق من المعلومات، أو قد يقع بسهولة ضحية للضغوط الخارجية التي تسعى لتوجيه المحتوى الإعلامي لخدمة مصالح معينة. هذا الأمر يعزز من انتشار الأخبار المزيفة ويفتح المجال أمام التأثيرات السلبية على الرأي العام.
ومن العوامل التي ساهمت في انتشار غير المتخصصين في الوظائف الإعلامية، تحول الإعلام إلى مجال جذب للشهرة والظهور، حيث يرى البعض في الإعلام فرصة لتحقيق النجومية السريعة دون الحاجة إلى مؤهلات مهنية. كذلك، تلعب بعض المؤسسات الإعلامية دوراً في هذا الاتجاه، حيث تفضل توظيف أشخاص يعتمدون على جاذبيتهم الشخصية أو عدد متابعيهم على وسائل التواصل الاجتماعي، بدلاً من التركيز على الكفاءة والخبرة الإعلامية.
إضافة إلى ذلك، تساهم التحديات الاقتصادية التي تواجه وسائل الإعلام التقليدية في تفضيل التوظيف السريع وغير المكلف على حساب الجودة فالمؤسسات تسعى لتقليل التكاليف من خلال توظيف غير المتخصصين، دون النظر إلى التأثيرات السلبية على المدى الطويل.
وللتغلب على هذه الأزمة، يجب أن تركز المؤسسات الإعلامية على إعادة الاعتبار لمفهوم التخصص في الإعلام. ينبغي وضع معايير واضحة للتوظيف تعتمد على الخبرة والكفاءة الإعلامية، وتطوير برامج تدريب مستمرة للموظفين الجدد لتعزيز مهاراتهم وتوعيتهم بأخلاقيات المهنة. كذلك، يجب أن يكون هناك دور أكبر للهيئات الرقابية لضمان التزام المؤسسات الإعلامية بالمعايير المهنية.
أن غياب الكادر الإعلامي المتخصص يمثل تحدياً كبيراً يواجه مستقبل الإعلام، ويضع مصداقية المحتوى الإعلامي على المحك في ظل هذا الواقع، يصبح من الضروري العودة إلى الأساسيات المهنية، والاعتراف بأهمية التخصص في الإعلام كركيزة أساسية لضمان تقديم محتوى إعلامي موثوق ومحترف. المؤسسات الإعلامية والجمهور على حد سواء مطالبون بالعمل على حماية هذه المهنة من الانحدار، وضمان أن تبقى أداة لنقل الحقيقة وتوجيه الرأي العام نحو الأفضل.
للتواصل مع الكاتبة Abeersd88@gmail.com

