أكد المؤرخ والباحث في التاريخ والآثار بدر بن ستير اللحياني أن محافظة الجموم الواقعة شمال مكة المكرمة والمراكز التابعة لها غنية بالآثار والأماكن التاريخية الهامة وقد ذكرها عددا من المؤرخين والباحثين في العصور المتقدمة وقال اللحياني في المحاضرة القيمة التي ألقاها بمقر متحف الجموم الأثري تحت عنوان٠ وادي الجموم في أدب القرن العاشر الهجري٠ أنه لا يعرف ولم يتوصل متى بدأت تسمية هذا الوادي بالجموم ولكن من المؤكد أنه كان يعرف قبل الإسلام ٠ببطن مر٠ كما جاء في شعر حسان بن ثابت في قوله٠ فلما هبطنا بطن مر تجزعت حزاعة بالجموع الكراكري٠.أي تقطعت جماعات كثيرة.
ويستطرد اللحياني قائلا ولكن من الواضح أن التسمية لم تظهر في المدونات التاريخية المكية المتقدمة مثل٠أخبار مكة للأزرقي المتوفي سنة ٢٧٥ هجري٠ في كتابه ٠أخبار مكة في قديم الدهر وحديثه٠ ولكن مسمى٠مر الظهران٠ ظل دارجا حتى العصر الأموي وفي مطلع العصر العباسي سماه ابن هشام في سيرته٠بمر الظهران٠ ونقل أيضا بعض الأحاديث ولكن إبراهيم بن إسحاق الحربي صاحب كتاب٠ المناسك و أماكن طرق الحج ومعالم الجزيرة العربية المتوفي سنة ٢٨٥ هجري ذكره بمسمى٠بطن مر٠ وأشار الباحث اللحياني إلى أن الطبري المتوفي سنة ٣٠١٠ هجري أثبت مسمى مر الظهران دون إضافة كلمة بطن٠كما أننا نجد أن البكري المتوفي سنة٤٨٧ ورد في معجم ما استعجم تسميته بمر الظهران ويشير إلى بيت حسان بن ثابت٠ ويستطرد اللحياني أيضا بقوله أن ابن جبير المتوفي سنة ٦١٤ هجري يختار في رحلته المعروفة إلى مسمى بطن مر٠ بعد ذلك انتقل الباحث في محاضرته إلى مسمى الوادي في القرن السابع الهجري قائلا ٠يطل علينا مسمى مر الظهران وهو المسمى الذي أختاره ياقوت الحموي المتوفي سنة ٦٢٦ هجري في معجمه.
ولكن ابن بطوطة المتوفى سنة 779هـ في رحلته يزاوج بين التسميتين ويرى صراحة أن بطن مر هو مر الظهران ولا فرق بينهما. وهو أول من فرق بين التسميتين ويظهر لي أن المسمى يضيق ويتسع ويختلف بين المؤرخين ولم يثبت عند حد جغرافي معين فقد يضيق ليشمل فقط مسجد الفتح وما حول وقد يتسع ليشمل غالب قرى الوادي.
ظهور الجموم الحديثة: يظهر لي أن مسجد الفتح وما حوله كان مركزا للنشاط السكاني تبعا للعين المجاورة لمسجد الفتح، فلعله كان سوقا يدر بعض الربح لأصحابه ولكنه انحسر تماما في القرن الثامن الهجري ربما بسبب نضوب عين العقيق التي أشار لها الحربي في رحلته ووصفها بأنها قليلة ولعلها قد نضبت تماما بحلول القرن الثامن الهجري أو حتى قبله أما مسجد الفتح فقد هجر أيضا وتهدم ولم تعد للمكان قيمة. بسبب ضعف بنائه وسوء صيانته.
ولم يظهر اسم الجموم في المدونات التاريخية خلال القرن الثامن الهجري وظلت تسمية مر الظهران وبطن مر هي المسيطرتان ولا شك أنهما كانا يعنيان الحاضرة السكانية المحيطة بمسجد الفتح وبعض القرى الزراعية المحاذية لدرب الحج الشامي.
ومع حلول القرن التاسع الهجري حدث تطور لافت إذ ظهرت عين الجموم بسفح جبل سدر والمكان المعروفة بالصبخة وتعرف اليوم بمصيبخة ولعلها استنبطت استنباطا فانتقل النشاط السكاني بكامله من مسجد الفتح إلى عين الجموم . وتم الاستغناء عن مسجد الفتح تماما.
الجموم في القرن العاشر الهجري: بعد أن نضبت عين العقيق المجاورة لمسجد الفتح التي كانت تغذي وادي الفتح في حدود القرن الثامن الهجري حدث تحول كبير جدا حيث انتقل النشاط البشري في القرن التاسع الهجري إلى عين الجموم الجديدة في جنوب الجموم وهي عين واسعة وحديثة في تكوينها الجيولوجي ونرجح أنها استنبطت في حدود هذا القرن وازدهرت الحياة الثقافية بشكل سريع بعد أن بنى وزير الشريف محمد بن بركات القائد بديد بن شكر الحسني مسجد الجموم ومع بناء هذا المسجد حدث تحول كبير جدا في الحياة الثقافية ونستطيع أن نقول أن هذا المسجد هو المسؤول عن بدء هذا النشاط الثقافي عندما تحول إلى مركز ثقافي كبير جدا استقطب الوزراء والشعراء والفقهاء والأدباء والقضاة والمؤرخين ومؤذني الحرم الشريف القادمون من مكة.
ثم امتد هذا النشاط إلى القرن العاشر الهجري ولا شك أن هذين القرنين التاسع والعاشر من أهم القرون الزمنية التي شهدت فيها الجموم نشاطا ثقافيا بشكل عام ،وسبب ذلك اتصال علماء الحرم الشريف وشعراء مكة المكرمة ومؤرخيها بالوادي وزيارتهم المتكررة له بسبب قربه من مكة وسهولة التواصل معه. وامتد هذا النشاط جنوب الجموم ليشمل أيضا أرض حسان وأرض خالد والدكناء لما كانت تتمتع به من مظاهر طبيعية وعمرانية بل امتد إلى هدأة بني جابر (هدى الشام اليوم) ..وكثير منهم تملك بعموم الوادي وأوقف بها أوقافا.
وقد اهتم هؤلاء من علماء وأدباء وشعراء برصد هذه المظاهر الطبيعية من بساتين أو ما صنع حولها من مباني.. وكانت تسمى البساتين بالأصائل في عصرهم وهي جمع أصيلة وتعني بستان أو حديقة .. هكذا كانت تسمى في القرن التاسع الهجري والعاشر الهجري عند بعض مؤرخي مكة مثل النجم عمر بن فهد خاصة في كتابه إتحاف الورى وجار الله بن فهد الهاشمي في بعض مؤلفاته مثل كتابه حسن القرى.. أما عند المؤرخين المتقدمين مثل الأزرقي والفاكهي في القرن الثالث الهجري فكانت تسمى البساتين في مكة بالحوائط وتعني حديقة أو مزرعة يلفها جدار… ويظهر لي أن النشاط الزراعي في الجموم وما حولها مثل أبي عروة وأبي شعيب والبرقة كان في أوجه إبان القرنين التاسع والعاشر الهجريين بسبب اهتمام أشراف مكة وأمرائها بإصلاح العيون وتطويرها وزراعتها وجلب الأيدي العاملة من الموالي خاصة لرعايتها. ولكنها كانت تتعرض لمآسي شديدة إذ قد تكون مسرحا لمعارك طاحنة عندما تتخذ ملاذا للمناوئين أحيانا وبسببها تحرق هذه الأصائل ويتأذى أهلها أشد الأذى كما حدث للبرقة إبان القرن التاسع الهجري. ولكن بعد ذلك تدهورت العيون وضعفت كثيرا وتحولت كثير منها إلى يباب بسبب سوء الصيانة وتردي الوضع الأمني وسوء إدارة المزارع وانتشار الإقطاع العدو اللدود للتطور الزراعي .. ثم تراجع المستوى الثقافي كثيرا تبعا لذلك.
وصف الشعراء للطبيعة والمكان: بدأ الشعراء والأدباء في وصف الطبيعة بالجموم قبل حلول القرن العاشر الهجري، وخلال القرن التاسع الهجري وهو ما مهد بعد ذلك الطريق أمام الشعراء في القرن العاشر الهجري حيث توسع الشعراء في أوصاف هذه المظاهر.
يقول الأديب والشاعر محمد بن عبد العزيز الفيومي المكي المتوفى سنة 897هـ ، وهو من أدباء وشعراء القرن التاسع الهجري المرموقين يصف بستان أم شميلة عند سفح جبل سدر الشرقي جنوب الجموم: حمام بدا في الصوت أم صات مزهر وريح صبا يسري أم الراح مسكر وروض بهي أم جنان تزخرفــــــــــــــــت وماء شهي ذاك أم هو كـــــــــــــوثر نعم قـــــــــــــــــــــــد تذكرنا بأم شمـــــــــــيلة جنان النقا والشيء بالشيء يذكر وقد نسجت أيدي الربيع برسمها قميصا من الزهر الندي مدنّر وألبس أجياد النخيل قلائدا عقيق وياقوت وتبر وجــــــــــوهر ووجه ثراها تحت خضرة روضة مليك غدا في ثوب خز مـــــــــــــــــــــــــدثر وليل غيوم الجو أرخى سدوله ولكن من أوجه الصحب مقمر وقد جمع الأحباب جمع سلامة ولكـــــــــن بماء العين جمع مكسر
وقد ضحك النوار في طي كمه وريـــــــــــــــــــــــــــح الصبا في ذيله يتعثر وقد جرد البرق اليماني سيفه وصلى خطيب الرعد ينهي ويأمر وأضحت ثغور الأرض تفترّ مذ غدا لها ابن رسول الله حصن معمّر فلازالت الأنواء تهمي بجوده ولا برحت هيجاء بالرعب تنـــــــــــــــــصر.
جار الله بن فهد الهاشمي ينقل لنا الصورة الشعرية : ولابد أن نقدم ترجمة يسيرة لهذا العالم الموسوعي نظير ما قدمه من تأريخ لوادي فاطمة والجموم.
وهو: ابن فهد جار الله محمد بن عبد العزيز بن عمر بن محمد المكي الهاشمي أبو الفضل محب الدين ولد.. سنة 891 للهجرية وتوفي سنة954 للهجرة ، وله من المؤلفات نحو أربعين مؤلفا أحصاها الدكتور محمد الحبيب الهيلة.. في كتابه التاريخ والمؤرخون في مكة المكرمة من القرن الثالث الهجري إلى القرن الرابع عشر الهجري.. ويعتبر كتابه حسن القرى في ذكر أودية أم القرى أهم كتاب أرخ فيه لوادي مر الظهران المعروف اليوم بوادي فاطمة ووصف كثير من قراه وأوديته.. وقد اخترنا منه هذه الليلة النماذج المستهدفة والتي أثبتها في مؤلفه هذا.
وأهم المؤلفات التي اعتنت بتوثيق ووصف الشعراء لعموم وادي مر الظهران أو وادي فاطمة هو هذا الكتاب . ونقل لنا صور شعرية مختلفة كان مسجد (بديد) أو مسجد الجموم وبساتين الجموم مسرحا لها يقول شرف الدين أبو القاسم الأنصاري يصف عين الجموم: أجارية الجموم إليك عني وإن نقش النساء لك المعاصم فبعد الأصل لي والفرع مني عن اللذات هذا اليوم عاصم ويقول:
لله ضحوة أنس للجموم سرى سرورها سريان الروح في الأبدان فتــــــــــنت لما بها عاينت جارية تروي مياه أماقيها ظما الحراني
ويصف الشاعر أحمد بن الحسين العليّف: نزلنا بالجموم نهار قيظ ومنثور الربيع طوى بساطه قطعنا يوما في طيب عيش برأس العين في ظل الحماطة ثم كتب تحت هذين البيتين في مسجد الجموم المذكور أبو بكر شرف الدين الشافعي: حللنا بالجموم صباح يوم ولم نأمن من الناس اغتباطه فلا قيظا رأينا مذ حللنا ولم نحتج إلى ظل الحماطه ولما قرأ العليف هذه الأبيات كتب مقابلهما ويقول بن فهد وسمعته منه: حططنا بالجموم غداة دجن وعقد الطل قد أرخى رباطه ونحن على بساط من زهور وقد مر الربيع به سماطه وعين الشمس ترمقنا بطرف خفى قد حكى سم الخياطه عـــــــــــروس تجتلي حينا وحين يدير سحبه قزح قماطه وكـــــــــــــنا فيه مع جمع كرام حماه الله من شر وحاطه وقد طبعوا على أدب ولكن هم السادات قد رفعوا اشتراطه.
ولما اطلع على هذه الأبيات العلامة الأريب رئيس المؤذنين فخر الدين أبو بكر بن عبد الله الحنبلي قال في معناها هذه الأبيات:
أقمنا في الجموم بطيب عيش وقد بسط الربيع لنا بساطه وحط المزن من قطر علينا فيا لله ما أحلى انحطاطه وإن جنان عدن عن يقين بمكر وهاتها أبدا محاطه ورد القاضي أبو بكر المرشدي الأنصاري عندم قرأ هذه الأبيات: أقمنا بالجموم نهار غيم فظل الودق ينهل انحطا طهوكأن القيظ ولى بانهمار وقد بسط الربيع لنا بساطه وظل الجو مسبول علينا ولم نحتج إلى ظل الحماطه ورد شهاب الدين العليف: حضرنا بالجموم نهار صيف وحر القيظ حاط بنا إحاطه وكاد الحر يهلكنا جميعا فآوينا إلى ظل الحماطه فجئنا المسجد المشهور ليلا فبتنا في انشراح واغتباطه ويقول العليف أيضا: أنخنا بالجموم ربيع عام وقد نصب الربيع لنا سماطه
على فرش من الديباج نزهو بنور زانه نور وحاطه.
ونختم بهذه الأبيات للشاعر محي الدين عبد القادر بن عبد الرحمن الشهير بالعراقي في وصف بركة البقيبة بالجموم التي بناها القائد الكبير جوهر المغربي لسيده أبو نمي محمد : لله أيام قــــــــــــــــــــــــــضينا بها لذة عيش مالها من مثل أنس وبسط واجتماع بمن نهوى ومشموم وأهنا مقيل ونحــــــن في جمع كرام لهم من مورد الآداب حظ جزيل في بركة أرجاؤها عـــــــــــطرت بالند والطيب ضحى مع أصيل ببـــــــــــــــطن مر قد حلا ماؤها وظلها الوارف ظل ظليل وزانها طلعة سلطاننا مالكها الضرغام حامي النزيل.




