لم يكن الأمر مفاجئًا لكنه كان صادمًا العلاقات الاجتماعية تغيّرت. لا تغيّرًا عابرًا… بل زلزالًا ناعمًا هزّ كل شيء فينا ولم يُبقِ شيئًا على حاله.
ما اعتدناه من روابط ودفء وتواصل حقيقي تآكل بهدوء تحت سطح “الحداثة” حتى صرنا نتعامل مع بعضنا كما تتعامل التطبيقات: تسجيل دخول تفاعل سريع ثم خروج دون أثر.
نلتقي اليوم ليس لأننا نحمل شوقًا حقيقيًا لبعضنا بل خوفًا من ملامة الغياب كنا نسأل عن الغائب لنطمئن عليه، اليوم نسأل فقط لنُذكّره بأننا لم ننسَه… حتى لو كنا قد نسيناه فعلًا.
الزيارات تحوّلت إلى صور، والمجالس إلى دردشات والمشاعر إلى رموز صفراء لا روح فيها العلاقة الاجتماعية اليوم تمر بمرحلة خطرة… لم تعد تُبنى على المواقف بل على الانطباعات لا على القرب بل على التوقيت، لا على الحقيقة بل على كيف سنبدو أمام الآخرين.
حتى “السؤال عن الحال” فقد معناه، لأنه غالبًا لا ينتظر إجابة هل تلاحظ ؟ الناس حولك كثيرون الضحك موجود، لكن رغم ذلك تعمّ القلوب الوحدة.
الكلام كثير، لكن الصدور ضيقة، والقلوب مشغولة، والنيات مرهقة تتصارع النفوس بلا صوت، تُكتم الآهات، وتُقمع الحاجات تتآكل فيها ببطء أنبل المشاعر: الإخلاص والصدق… حتى تختفي دون ضجيج.
القتل البطيء للروابط، والمودة الناقصة، وانحسار الوفاء، جعل من العلاقة الاجتماعية ساحة صراع بين الحضور والغياب، بين السطح والعمق، بين الزيف والصدق.
هنا، حيث تُقاد النفوس كأنها أدوات في يد واقع لا يرحم، تُساق دون أن تُسأل، وتُستهلك دون أن تُلاحظ، يُقتل فيها الإخلاص والصدق ببطء.
نحن نمنح صورًا وأدوارًا، لا أرواحًا حقيقية. نريد علاقة بلا تكلفة، صداقة بلا التزام، واهتمامًا بلا مسؤولية نخاف من الانكشاف، ونحتمي خلف جمل جاهزة، وضحكات مصطنعة، و” أنا بخير” لا تعني شيئًا.
نعم، الحياة الاجتماعية تغيّرت بشكل ملحوظ جدًا، والكل يشعر بذلك، وإن أنكر ولن تعود كما كانت ما لم نُقرر نحن، بوعي وشجاعة، أن نعيد المعنى لما نقول، والصدق لما نُظهر، والوفاء لمن يستحق العلاقات لا تموت دفعة واحدة… بل تختنق بصمت.
ختامًا.
أوقفوا هذا الانحدار في العلاقات الاجتماعية.
اخلعوا الأقنعة التي تخنق أرواحكم وتقيّد إنسانيتكم.
ازرعوا في علاقاتكم دفئًا حقيقيًا، بعد أن أصبح اللقاء مجرد واجب، والوداع بلا وجع.
لنصنع أثرًا لا يُنسى للأجيال القادمة.
للتواصل مع الكاتب jttj110@gmailcom

