تبدأ الحكاية حين وقف النبي ﷺ عند مشارف الغار، وقال لصاحبه: “لا تحزن إن الله معنا” وتبدأ الحكاية حين انطلقت خطى النبوة في صحراء لا يظللها إلا اليقين.
ذاك هو التاريخ الهجري، الذي لا يُقاس فيه الزمن بالساعات، بل بالمعاني تأريخ يبدأ بخطى حبيب الله، محمد ﷺ وهو يشقّ الصحراء، لا هاربًا بل حاملًا لرسالة السماء.
نحن لا نُحصي بالتاريخ الهجري الأعوام فحسب، بل نُحيي به ذكرى أعظم تحوّل في تاريخ الإنسان، كل عام هجري يطرق أبوابنا، هو دعوة لنتذكّر من نحن، ومن أين بدأنا، وما الذي تعنيه الهجرة في جوهرها: هجرة من الظلمة إلى النور، من التيه إلى الاستقامة، من الذات إلى الله.
التاريخ الهجري ليس نظامًا لحساب الأيام، بل هو سجلّ الإيمان، ومنبر الذكرى وراء كل شهر فيه عبادة، وفي كل مناسبة نافذة تُطل بنا على مقام النبوة، فرمضان يهتف في القلوب بحسابه الهجري، والحج لا يُرفع فيه التكبير إلا حين تشرق شمس ذي الحجة، وأيام الله كغزوة بدر والفتح ويوم عاشوراء، كلّها ترتبط بهذا التقويم النبوي النفيس.
فأيّ تقويم هذا الذي يسكنه الدين، والدمع، والدعاء؟ إنه التقويم الذي يقوّم القلوب على نهج وسنة الحبيب، ويهذب الروح، ويربي النفس، ويغذي الذاكرة من يوم الميلاد إلى وقت حمل الرسالة وحتى الممات.
إنه التاريخ الذي لم يُكتب على ورق، بل على القلوب، في زمن باتت فيه الأمة تُركض خلف تواريخ لا تشبهها، ولا تعنيها، يبقى التاريخ الهجري كأمّ حنون تنادي أبناءها: عودوا… فأنتم من هنا.
لم يبدأ تأريخ أمة الإسلام بميلاد النبي ﷺ، ولا ببداية الوحي، بل بالهجرة، فعندما استشار عمر بن الخطاب رضي الله عنه الصحابة في اختيار بداية للتاريخ، لم يقع الاختيار على حدث شخصي، بل على نقطة التحوّل الجماعي: لحظة انتقال الأمة من الاستضعاف إلى التمكين، ومن مجرد إتباع إلى بناء حضارة.
الهجرة لم تكن مجرد خروج من مكان، بل ولادة جديدة لهوية كاملة؛ ولهذا جاء التاريخ الهجري ترجمة عملية لفكرة: أن الزمن الحقيقي يبدأ حين تتغير القلوب لا حين تدقّ الساعات.
إن التقويم الهجري ليس مجرّد تذكير بالماضي، بل هو حاضرنا اليومي، فهو الذي نُقيم به شعيرة الصيام، وننتظر به رؤية الهلال، ونزكّي الأموال بعد حول قمري، ونقف على عرفات في توقيته لا غيره.
قال ﷺ: “صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته” فحتى لحظة الإفطار تُعلّق بهذا الزمن النقي هل نتخيّل أننا نمارس أركان ديننا دون التاريخ الهجري؟ إنه توقيت العبادات، ورمز الارتباط المستمر بين المسلم وشرعه، يوماً بعد يوم.
أيام الإسلام الكبرى ارتبطت بالتاريخ الهجري، من بدر الكبرى في 17 رمضان، إلى فتح مكة في 20 رمضان، إلى بيعة العقبة، ويوم عاشوراء، ويوم عرفة، والهجرة نفسها في 1 محرم، إنه تاريخ يحمل مع كل يوم فيه معنى، ومع كل شهر فيه حدث يعلّمنا ويذكّرنا، هو أكثر من تقويم، هو مرآة هوية، وسجلّ أمة لا تنسى جذورها.
وكلما أحيا المسلمون هذا التقويم، عاد فيهم نبض الصحابة، وصوت النبوة، ونور الرسالة فهل نُدرك اليوم حجم الفقد حين نغفل عن هذا التاريخ؟
حين تُكتب تواريخ ميلادنا ومناسباتنا على رزنامات أجنبية لا تعرف مكة ولا المدينة؟ إن إحياء التاريخ الهجري ليس مجرد عادة، بل عودة إلى النبع، إلى الدفء، إلى المعنى.
فلنعلّمه أبناءنا، ولنُدوّنه في دفاترنا، ولنجعله حيًّا في مدارسنا وبيوتنا ومناسباتنا فهو تقويم لا يُقال فيه فقط: متى وُلدت؟ بل: من أي جذرٍ أنت؟ وإلى أي دربٍ تنتمي؟
حين تختفي شهور الله من دفاتر يومياتنا، ويضيع بين الزحام يوم وُلد فيه النور، أو يوم نزل فيه القرآن إننا لا نخسر تاريخًا هجريًا، بل نخسر شيئًا من هويتنا، من انتمائنا، من صِلتنا بتلك الخطى الطاهرة التي مشت على الرمل وتركَت في القلوب أثرًا لا يُمحى.
إحياء التاريخ الهجري ليس ترفًا، بل واجبًا من القلب والعقل، دعوة لأن نُربّي أبناءنا على الإحساس بالزمن كما أحسّه الصحابة: زمنٌ يفيض بالذكر، ويُملي على القلب مسارًا، ويقول للمؤمن كل يوم: أنت لست عابرًا، أنت ابن هجرة، ابن دعاء، ابن نور أليس من المؤلم أن نُطفئ هذا النور في زمن أحوج ما نكون فيه إلى بوصلة تُعيدنا إلى الطريق؟
قال الشاعر أبو القاسم الشابي:
مضى عامٌ وما زالت خطانا
تُعيدُ الحلم في دربٍ هُجِرْ
أفقْ يا قلبُ واملأ نور روحك
ففي الهجريّ تبدأ كل فجر
فلنُحيِ هذا الفجر، ولنكتب بالتاريخ الهجري قصصنا القادمة، ليبقى فينا النبض… نبض الإيمان، ونبض الانتماء.
للتواصل مع الكاتبة Zainab_Antaki@

