كانت البداية الفعلية للأغنية السعوديه في الخمسينيات الميلادية ورغم قله الامكانيات وصعوبة التلقي وصعوبة الظروف الا ان الأغنية السعوديه اخذت تتأثر تدريجيا بالفن العربي بالبلاد المجاورة في ذلك الوقت وتستفيد منه وتستنسخ منه بعض التجارب وتطور من امكانياتها وتمزج بين الموروث الشعبي والفن القادم من خارج الاسوار بألحانه المكبلهه.
وبالواقع فان الغناء في الجزيرة العربية بصفه عامه قديم جدًا ومتجذر ، وقد بدأ في شكل أهازيج وألوان شعبية تمثل ثقافة كل منطقة فمن السامري، الى الخبيتي، الى المجرور، مرورا بالعرضة النجدية ومواويل الساحل البحري الى عرضة الحرب بالجنوب ، فكان الغناء مرتبط بالبيئة والثقافة السائدة بالمجتمع وعلى علاقه وثيقه بحياة الناس اليومية وطريقة العيش.
والمتتبع لمسيرة الفن الغنائي بالمملكة سيجد ان التشكل الفعلي للأغنية السعوديه بدا جليا واضحا في ظهور الموسيقار وقثاره الشرق وصوت الارض الفنان طلال مداح رحمه الله الذي نقلها من اللحن الشعبي الواحد الى ( الاغنيه المكبلهه) ، ذلك الصوت الشجيء المتأصل في الحنين والغارق في الأصالة والصوت الندي الذي اختصر الكثير من الذكريات فكان ظهوره بالتالي نقله نوعيه فعليه للأغنية المحلية في المملكة العربية السعوديه.
كان طلال فنانا مبدعا من نوع اخر فاستطاع بموهبته الفطرية ان يستحوذ على مشاعر الناس بكل بساطه ودون تعقيد وكان لا لحانه بصمه خاصه لا تليق الا لطلال ، فطلال مداح لم يكن صوتا يغني فقط وانما كان كتله مشاعر تتحد لتعانق القلوب بكل دفء وحنان كان ولازال نهرا عذبا يشرب منه الجميع بلا استثناء فما حباه الله من طبقات صوت مميزه جعل له مكانه مرموقه في الفن العربي ولا ادل على ذلك من شهاده موسيقار الاجيال محمد عبد الوهاب حينما وصفه بزرياب العرب لما لمسه من صوت مميز واحساس عالي ونبره حنونه يلج من خلالها لكل الاذواق ولكل القلوب بلا تكلف او تعقيد.
طلال الذي سجّل أكثر من ستون عملا فنيا صوت طربي من نوع اخر فأغانيه ذات الطابع الكلاسيكي كان يتوجها باختيارات لقصائد غايه في الشاعرية والجمال فمن رائعته الاولى” وردك يا زارع الورد” الى “اليوم يمكن تقولي” الى “عطني المحبه” الى “سويعات الاصيل” الى اغنيته الخالده “ماذا اقول وقد..” التي لحنها موسيقار الاجيال محمد عبد الوهاب.
كما ان طلال الفنان الشامل لا ينثر الحانه في مهب الريح بل ينتقي من يغني له ويمنحها لمن يستحق من اساطير الغناء بالوطن العربي الكبير فقد غنى له الصوت الجريح عبد الكريم عبد القادر وابو بكر سالم ابو الغناء الخليجي وعبادي الجوهر ، وهم من اعمده الفن الخليجي والعربي ، طلال الذي كان جسورا شامخا صارما حينما يغني للوطن فمن رائعته وطني الحبيب ، الى الاوبريت الوطني افديك يا وطني ، وغيرها من الاغاني الوطنيه التي لا زالت تردد في ذاكره الاجيال ، الى اغنيته للأخضر السعودي (يا ناس الاخضر لا لعب).
رحم الله فنان الطرب طلال مداح الذي لازال انموذجا فريدا في ذائقة الاغنية العربية ، وتجربة اثرت الذائقة السعوديه والخليجية والعربية بالكثير من الدرر الثمينة.
للتواصل مع الكاتب Mmmmssss1411@gmail.com


ل