في زحمة الأضواء، وفي زمن التسويق على حساب المبدأ، بدأنا نرى ألقابًا تُمنَح لأسماء بالكاد خطت أولى خطواتها، لكنها جاءت محاطة بهالة من المجاملة، مدفوعة بحفنة من الأصدقاء “المؤثرين”، ومبنية على مظهر لا مضمون، وعلى علاقات لا قدرات.
ليس الألم في اللقب ذاته، بل في تزييف القيمة، حين يُسكت صوت التعب الحقيقي، ويُهمَّش من قضى عمره يعمل بضمير، فيُقدَّم من حضر بالضجيج على من أثبت نفسه بالصمت، وتُلمَّع أسماء لم تبنِ حضورها على المهنة، بل على ما جاورها من دوائر المصالح.
اللقب في الإعلام، لم يكن يومًا زينة لغلاف، ولا وشاحًا يُهدى لمن شاءت الصدفة أن تلتقطه الكاميرا، بل اللقب الحقيقي يُنتزع من مسؤولية المهنة، ووجع المواقف، ومرارة الثبات حين يهتزّ كل شيء.
الإعلامي الذي يستحق أن يُمنح بالألقاب، هو من صمد حين كان الانحياز مغريًا، وكتب حين كانت الكلمات عبئًا لا مكسبًا، وظهر فقط حين كانت الحاجة للحق، لا للحضور.
لكننا اليوم نعيش زمنًا مختلفًا؛ زمنًا صار فيه الظهور الخاطف أثقل من تاريخٍ مهنيّ طويل، وصار اللقب يُصاغ في جلسة مزاج، لا في دفتر منجزات، وتُطلق الألقاب جزافًا، وتُنسب البطولات الافتراضية، وكأن المهنة لم تعد تعني شيئًا سوى عدد المرات التي تم تلميعك فيها.
أخطر ما يُهدد مهنة كالإعلام والصحافة، أن تتحوّل فيها المجاملة إلى عُرفٍ سائغ، والنفوذ الشخصي إلى بوابة للتكريم والتقدير، حين تُمنَح الألقاب لا لثقل التجربة، بل لقرب الشخص من أصحاب القرار أو النفوذ.
حين يتحول الإعلام إلى طاولة مستديرة تُدار بالأصدقاء، لا بالمهنية، وحين تُدار الألقاب كـ “جوائز ترضية”، ويُرفع من لا يملك أثرًا، ويُصفّق لمن لم يُنتج قيمة، فـاعلم أن المهنة بدأت تنزف، وأن الاحترام الذي كان يُبنى على المواقف، صار يُستبدل بـ “منشور دعائي” أو صورة ملونة بتعليق مزيّف.
الخطير هنا ليس في أن يظهر من لا يستحق، بل في أن يُقصى من يستحق، لأن حضوره لا يخدم أحدًا، ولأن كرامته لا تُباع، ولأن مبادئه لا تقبل أن تكون سلعة بين الأيادي.
اللقب المهني في أي ساحة ناضجة، لا يُمنح فقط للظهور المتكرر، أو لهؤلاء الذين “أثاروا إعجاب البعض”، ولا بسبب العلاقات الجيدة مع الأشخاص أصحاب المناصب، ولكن اللقب يُمنح بعد أن تُختبر التجربة، ويُقاس الأثر، ويُشهَد للمسيرة، لا لمشهد واحد عابر.
اللقب لا يُمنح في لحظة انبهار، بل في لحظة إنصاف، اللقب لا يُعطى للتلميع، بل يُمنح لتاريخ لم يكن بحاجة إلى مَن يلمّعه.
وهنا يُطرح السؤال الجوهري:
من يملك حق إطلاق هذه الألقاب؟
وهل أصبح كل من يملك منبرًا أو موقعًا أو كرسيًا في فعالية، أو منصة من منصات التواصل الاجتماعي مخولًا لتوزيع “صكوك المجد المهني” على من يشاء؟
في مهنة تُبنى على الثقة والرصيد، لا يحق لأي جهة أن تخلع لقبًا ثقيلًا على اسم جديد، دون مرجعية حقيقية أو معيار واضح فحين يصبح بعض الأشخاص أو الجهات الإعلامية أو الثقافية موزّعة ألقاب لا ضامنة لمعايير، فنحن لا نتحدث عن تكريم بل عن توريط للمهنة في حفلة مجاملات جماعية.
إن أخطر ما يُرتكب بحق الصحافة والاعلام اليوم، هو حين تُستخدم هذه الألقاب كأدوات ترويج وتسويق، تُعطى لمَن يُناسب الصورة، لا لمَن يحمل الرسالة.
في بيئة مهنية ناضجة لا يمكن لأي شخص أو جهة أن تمنح الألقاب جُزافًا، كما لا يُترك تقييم الأثر للمزاج أو العلاقات؛ فاللقب في الإعلام ليس شهادة تقدير، بل مرآة لمسيرةٍ طويلة تُبنى بالحضور والصدق والثبات.
والجهات التي تملك شرعية إطلاق الألقاب الإعلامية أو المهنية، هي:
الهيئات الإعلامية الرسمية: مثل وزارات الإعلام أو الهيئات الوطنية للإعلام، التي تعمل ضمن أطر تشريعية واضحة، وتُمنَح صلاحية التصنيف بناءً على معايير متفق عليها، من سنوات الخبرة، والتأثير، والمحتوى، وعدد المنصات، إلى أخلاقيات المهنة.
المؤسسات الصحفية والإعلامية العريقة: تلك التي راكمت مصداقيتها عبر العقود، وصار لها ثقل رمزي ومهني يجعل شهادتها أشبه بختم شرف يُمنح بعد تحقق طويل.
الجهات الأكاديمية والإعلامية العالمية والمحلية: مثل الجامعات التي تدرّس الإعلام، أو المنظمات الدولية المتخصصة، أو لجان الجوائز الإعلامية المحترفة، التي تخضع أعمال المرشحين للتحليل والتقييم.
جوائز مهنية موثوقة: مثل الجوائز الصحفية التي تمر عبر لجان تحكيم مستقلة، مبنية على ملفات الإنجاز، لا على المجاملة أو التزكية الشخصية.
الرأي العام الواعي: الجمهور الذكي، هو المقياس الأصدق، هو من يُشاهد، ويُقارن، ويتابع، ويعرف من يعيش المهنة ومن يمر بها مرور الكرام.
وأخيرًا سنوات العمل المضنية التي حصدت على مرتلك السنوات الكثير من الأعمال الإعلامية أو الأعمال المساندة للمجتمع، والتي صنعت لصاحبه اسمًا لا يمكن لأحد أن ينكره.
وفي المقابل، لا يحق للآتي ذكرهم أن يمنحوا لقبًا، وإن فعلوا فهو لقب باطل من أساسه: منظّمو الفعاليات التجارية: الذين يوزّعون الألقاب كمكافآت “علاقات عامة”، مقابل مشاركة أو رعاية، أو لأن “الوجه جميل” و”المظهر مؤثر”.
مقدمو البرامج أو الزملاء في الوسط: مهما علا شأنهم، لا يملكون تفويضًا لتوزيع الألقاب من رؤوسهم، خصوصًا إن كان المنطلق انبهارًا شخصيًا، أو نابعًا من انتماء لدوائر المصلحة.
العلاقات الشخصية أو “الشِلل” المغلقة: حين تتحوّل الحلقة الداخلية إلى لجنة تقييم مزيفة، تُمنَح فيها الألقاب عبر منصات شخصية أو مداخلات في لقاءات عابرة دون تاريخ ولا عمق.
المنصات الإعلامية المستجدة التي تفتقر للمصداقية: لا تملك الحق في إصدار أحكام مهنية على أسماء لم تخضع لأي مسار تقييم حقيقي، بل قد تكون مجرد أدوات تلميع لمن يدفع، أو يملك رصيدًا من العلاقات.
اللقب ليس “هديّة مجاملة”، ولا “صفقة تبادلية”، ولا “كارت دخول لفيلم سينمائي درامي”، بل هو تاج يُنتزع باستحقاق، لا يُوهب برضا جماعة معينة.
المهنة لا تعترف بالضجيج المؤقت، ولا تنحني لسلطة المجاملة، ولو علت فوق المنصات، فكم من اسم لمع فجأة… وانطفأ في الظلّ، وكم من اسم مشى بثقل القيم، فبقي صوته بعد أن غابت الأصوات.
إن الألقاب التي تُمنح بلا ميزان، ستُنسى مع أول صمت، وستبقى المهنة تكتب تاريخها الحقيقي بالحبر لا بالضوء، وبالمواقف لا بالمظاهر، وبالحق لا بمن حضر.
فلا عجب أن تسقط الأسماء الخفيفة حين تُختبر، ولا غرابة أن تصمد المسميات الصامتة، حين يُقاس العمق ورغم كل هذا الضجيج، لا تزال المهنة تحتفظ بأبنائها الحقيقيين؛ أولئك الذين لم يتكئوا يومًا على لقب، ولم ينتظروا تصفيقًا، لأنهم ببساطة… مشغولون بما هو أعمق.
الإعلامي النزيه لا يقف أمام المرآة كل صباح ليسأل: كيف أبدو؟ بل يسأل: ماذا سأضيف؟ هو من يُدرك أن المضمون يسبق الشكل، وأن رسالته أسمى من الظهور، وأهم من إعجاب عابر، هو من يحمل همّ وطنه، وضمير مجتمعه، ويرى في كل كلمة مسؤولية، لا وسيلة للوصول، لا وقت لديه للتسويق الذاتي، لأن وقته مشغول بصناعة المعنى، لا صناعة المجد الزائف، وإن تأخر الاعتراف به، فلن يضيع، لأن أثره سيشهد له… ولو بعد حين.
المهنة تعرف أبناءها، وتُميّز بين من أرادها منصّة، ومن اتخذها رسالة، وفي النهاية، ليس الظهور هو ما يصنع القيمة، بل الصدق حين لا يراك أحد، كل لقب لا يصدر عن أهل الاختصاص، ولا يستند إلى سجلٍ من العطاء، فهو وهمٌ مزيَّف… مصيره السقوط.
أما الذين صمتوا طويلًا، وانشغلوا ببناء المعنى، فهم وحدهم من تصرخ أسماؤهم حين تصمت الأضواء، وذاكرة الإعلام لا تحفظ الألقاب…بل تحفظ من صنع من اسمه تاريخًا ليخلد على مدى العمر دون أن يطلب لقبًا، أو يتصدر مشهدًا، أو ينبهر بالتصفيق.
للتواصل مع الكاتبة Zainab_Antaki@

