بعد سياحة تراثية شعرية في تاريخ أدبنا العربي الراقي مع صاحبي المغرم بالشعر حتى النخاع وهو يطرب له طربا جميلا، استعرضنا فيها نتفا من قصص شعرية راقية أبطالها الفرزدق وجرير والأخطل والمتنبي وابن رزيق البغدادي وصالح بن عبد القدوس، كان صاحبي يسمع ويطرب ويهتز في مكانه ثم فوجئت به يسألني وهو يحاورني :
• ما أجمل بيت قلته في شعرك؟!
فأجبته: سؤالك صعب أن أحكم على شعري بالجمال،..
هذا أولا، وثانيا شعري منوع في جميع ألوان الشعر من مناجاة ومديح نبوي ومدح عام وهجاء ورثاء ووصف وفخر ومناسبات واجتماعيات ومواعظ وشعري في الشعر وكذلك في الزملاء الشعراء وغير ذلك..
لكن خذ هذين البيتين في المناجاة الربانية مثلا :
يارب ان تكن السنون تفلتت مني
وطال العمر في الهفواتِ
فلقد أتيتك خاشعا متذللا
اغفر ذنوب الليل والخلواتِ قال: الله!
• عقبت : هذا في المديح النبوي:
من ذا يجاري القلب في أشواقه
جين الرسول مؤصل في جيني
أو هذا البيت أيضا:
الشوق أعرقني ببحر ودادكم
وأنا الذي من ذنبه لا يسبح؟!
قال:الله الله!!
• وخذ هذه الثنائية في المديح العام:
والله لو صغتُ الكواكبَ أشْعُرَا/
ونسجتُ شعري عسجَدًا أو جوهرَا
لأفي بحقك في الثناء معطرا/
مازلتُ ياشيخ الكرامِ مقصّرا
قال:الله الله الله!
• وعن أخلاق البعض خذ هذه الثنائية:
والشامتون كثيرٌ في مصائبنا
لولا الشماتةُ خِلنا الكلّ أحبابا
يارب واكبتْ من الأقوام شانئنا
من صاح جهرا ومن بالسر قد غابا
قال؛الله ما أجملك!
• وخذ هذا في الغزل:
جمال يوسفيٌ قد دهاني
يقطع عشقه قلبي وأيدي
قال جميل حدا.
• وعقبت وإليك هذه الثنائية الغزلية:
ويبيت ملء جفونه/
وأبيت أرقني الجوى
قولوا لصّبٍ مدعٍ
تالله ماذقت الهوى
فاعتز طربا ووجدا وهو يكرر من لفظة الله الله الله!!
• ثم قلت وخذ هذه الصارخة غزلا:
وأزاحت الهم الكبير بحسنها
لما تبسم وجهها البراق
حتى تخيلت السماء عبونها
وأقلني نحو العيون براق
صرخ بقوة :الله الله الله الله!!!
• قلت له: مهلا أمسك نفسك قال: انا أطرب للشعر كما يطرب المستمعون مثلا لفلان المطرب أو فلانة المغنية ويتمايلون له أولها أنا كذلك مع الشعر !!
• فلما رأيته والحال هكذا قلت لأبكينه قليلا فقلت:
وإذا المنية هاجمتك جيوشها
عجز الطبيب بطيه أن يدفعا
كأسُ المنايا دائر بين الورى
من ذا الذي من مرّه لن يكرعا؟
فلم يمسك دموعه زفرات وتأوها.
• ثم قلت لقد أطلت عليك فخذه هذه الموعظة الشعرية
ورأيتُ جلَّ الناسِ في شهواتهم
هذا الغويُّ وذاك عبدُ ضلالِ
سكراتُ لهوٍ تستميلُ قلوبَهم
والموتُ يدعوهم ليومِ نزالِ
قالها مبتسما بكل قسمات وجهه: الروعة أنت أيها الشاعر!
وإن كنت ترى في هذا البيت جمالا فهاك هو:
إني الحليم وريح الود تصحبني
فإن غدا الوغد بطشا كدت أقتله
• وإليك هذا البيت في ثوب نصيحة
لا تركنن إلى المناصب إنها
حتما تزول ويبقى وجه الباقي
أو هذه النصيحة أيضا:
يا نائم الليل والأحلام تضحكه
أضغاث نومك لن تغني عن الطلبِ
وإن كنت تريد شعري في الشعر فخذ هذه الثنائية:
ويهجرني قريض الشعر يوما
فتركض خيله أفق البوادي
ويوما ينثني عطفا وحبا
فيسكن بالقوافي في فؤادي
أو هذه الثنائية أيضا:
وأصعد في جبال الشعر ليثا
لأرهب من يعادي أو يخاترْ
فسيفي للعدا صلت مبين
وكفي للكرام نداه ماطرْ
فقال:أبصم لك بالعشرة أنك في الشعر أمير عصره، وشوقي مصره، بلا منازع!!
• ثم سألني: أجبني بصراحة هل أفادك الشعر ماديا ؟!
فقلت له: ذكرتني بمن وجه لي كلمة اليوم تحديدا قال فيها:
“خفف الوطء من مدح من لا يستحق
انت قلت قصيدة في فلان تكتب بماء الذهب، لو كنت مكانه لأعطيك حتى أرضيك، ومعلوم ان الشعراء عبر كل العصور بكافئون عن المدح بالمنح الحزيلة”.
• فأجبته: :مضى عصر ذوي الشعر في بلاط الخلفاء والأمراء وهم يمدحون فينفحون بالعطايا والهدايا، حتى صار الشعر حرفة لهم. وأما شعري هو مشاعري الغالية والتي لاتباع ولا تشترى، ولعل هذه الثنائية تجيبك عن سؤالك والتي قلت فيها:
ماكنت يوما بالدراهم بائعا
شعري لغِرٍ حاسدٍ متعجرفِ
الشعر جوهرة الكلام وكنزه
لا يشترى، أعرفت أم لم تعرفِ؟!
*فقال: اي وربي صدقت فيما قلته كله وفيما نسجت من شعر، وأشهد أنك شاعر وذو مشاعر!!
الدكتور – محمد خضر الشريف


