هويّة المُدُن هي العُنصر الذي يُميزها عن غيرها ويجعلها منفردة به كما هي مؤشّر واضح على سمة المكان ، وتاريخ الإنسان ، وثقافة المجتمع.
فأيّ مدينة على وجه الأرض ليست مجرّد مبانٍ وطرق وشوارع ،بل منظومة متكاملة تتّسم وتنبض بالتقاليد والفنون واللغة والعمارة والعلاقات الاجتماعية والهوية الحضرية ،وهذا بالتالي يمنحها قالبًا ممُيّزًا وطابعًا فريدًا يتفاخر به سكانها وينجذب إليها زُوّارها.
وممّا لا شكّ فيه وَيَعِيْه ويُدركه الجميع أنّ هويّة المدن تتشكّل وتتكوّن على مرّ العصُور من خلال عوامل عديدة تأتي في مُقدّمتها الموقع الجغرافي ، و التراث الثقافي والتاريخي ، و الأنشطة الاقتصادية التي تشتهر بها ،والقيم الاجتماعية التي تسود بين سكان المدينة ، وهناك عوامل أخرى.
و كثير من مُدن العالم بدأت منذ زمن بعيد ترسم هويتها وأصبحت معروفة بها والكثير من المدن الإسلامية في عصر سابق كانت لها هوية واضحة مُلتصقة بها و تُميزها عن غيرها مثل مدن القاهرة والقيروان ومراكش ودمشق وبغداد وغيرها.
وإذا أمعنّ النظر في هويّة المدينة المنورة نجدها تأخذ طابعًا فريداً ومنفردًا عن باقي مُدن العالم بأسره نجد أنّ في طليعة ما يُميّزها هُو وُجود مسجد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وقبره الشريف في رحابها ( وأكرم بها من هويّة ) ، فضلا على تميّزها بحزمة من عناصر أخرى تتجلّى في تراثها وموروثها التاريخي والإسلامي وثقافتها وحاراتها وأحواشها وأزقتها ومبانيها ومزارعها وذلك قبل تعرّضها للتوسع العُمراني و الطفرة الاقتصادية التى تمر بها مملكتنا الغالية حرسها الله والتى أثّرت علي هويّة المدينة وسط مشاريع التحديث والحركة العمرانية الكبيرة والمتسارعة التي أدت إلى فقد بعض ملامحها القديمة وساقتها إلى حداثة مُقتبسة أحياناً وتارة إلى تغيّر في النَسَقْ العمراني.
و يُلاحظ في الآونة الأخيرة اهتمام القائمين على المدن في المملكة وسعيهم في بناء وترسيخ هوية تتناسب مع الإرث الماضي والتطور التكنولوجي والعمراني الحديث وفق رؤية 2030 للمملكة ، ولا نملك إلا الدعاء لهم بالتوفيق والسداد.
وأمانة وهيئة تطوير المدينة المنورة انطلقتا بكل همّة وعزيمة بتنفيذ أعمال ومشاريع مُميزة بهدف رسم ملامح هوية المدينة التي تربط الماضي بالحاضر ،أذكر منها : قيام هيئة التطوير بتنفيذ ساحات جميلة في المنطقة المركزية مثل ما أحدثته حول مسجد الغمامة وطريق الملك فهد من خلالها أتاحت لقاصدي المسجد النبوي الشريف فرصة الاستمتاع بالأماكن المحيطة بالحرم وأعادت لنا ذكريات برحة باب السلام وساحة باب المجيدي ونافورة وحديقة المناخة حيث كانت كل واحدة منهم مُتنفّسًا لمرتادي المسجد النبوي الشريف في تلك الحقبة.
ولا نغفل تلك الأعمال الجادة والمُماثلة لأمانة منطقة المدينة والتي ركّزت على تنفيذ ممرّات مشاة واسعة ومنظّمة على بعض الطرق الرئيسة في المدينة كهويّة مُهمة لأنسنة هذه الطرق ، وهذه بلا شك رؤية جميلة لولا أنّها كانت على حساب تضييق بعض الشوارع كما هو الحال في طريق العيون.
كما لا نغفل جهود الأمانة في تطوير المناطق التاريخية التي تزخر بها المدينة الأمر الذي أتاح للزائر الوقوف عليها والاستمتاع بمشاهدتها.
كما قامت الأمانة بتطوير منطقة المغيسلة وتأهيل بعض المباني العتيقة ، وهذا بحد ذاته جهود مشهودة ومشكورة وفي اعتقادي أنّ مثل هذه الأفكار والتوجّهات والمشاريع الحيوية هي التي تؤصّل هويّة المدينة وليس التركيز على أمور ليس لها تلك الأهميّة في صُنع الهويّة.
وفي الوقت الذي أُثْنِي وأُثمّن فيه على جهود أمانة المدينة وما تقوم به من أعمال ومشاريع وجماليات غير مسبوقة يشهد لها بذلك الساكن والزائر لهذه المدينة المباركة.
أجدها فرصة مناسبة أرفق في ثنايا هذا الشكر والثناء رجاءً خاصًا لمعالي أمين المدينة المنورة الشاب النشط الخلُوق المهندس فهد البليهشي بتوجيه بُوصلة الجُهود إلى الأحياء الداخلية بالمدينة والعمل على تحسين جودة الحياة ورفع مستوى الخدمات فيها من تشجير وأرصفة وسفلتة وإحداث مخارج مناسبة لبعض الشوارع ووضع علامات أو ضوئيات تُشير إلى وجود مطبّات وغيرها من الخدمات التي تحتاجها وأرجو أن تحظى هذه الأحياء باهتمام مُماثل لما تحظى به الشوارع الرئيسة.
ختامًا : أرغب التأكيد بأنّ الدعوة للحفاظ على هويّة المدينة لا أعني به رفض التطوير، بل الذي أعنيه أنّ هذا الأمر يتطلب فهمًا عميقًا لجذور المكان ، ورؤية واعية تدمج بين الماضي والحاضر ، بما يُهيئ مستقبلًا متفرّدًا يعكس شخصية وهوية المدينة بشكل أكثر إشراقاً وأصالة.
حفظ الله مملكتنا الغالية ومليكنا خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وسمو ولي عهدنا الأمين الأمير محمد سلمان وأدام الله على بلادنا نعمة الأمن والأمان والازدهار.
للتواصل مع الكاتب ٠٥٠٥٣٠١٧١٢



