منذ اللحظة التي صدع فيها النبي محمد عليه الصلاة والسلام بدعوته خرجت قريش عن صمتها وتحولت من قومٍ يعرفون محمداً بالصادق الأمين إلى طغاة متجبرين يقاتلون النور بكل ظلمة فيهم ويحاصرون الحق بكل بهتانٍ من ألسنتهم وسيوفهم !!
في المقدمة وقف أبو جهل عمرو بن هشام الذي لم يكن مجرد معارض بل كان قائد حملة القمع والتشويه هو من وضع سلى الجزور على ظهر النبي ﷺ وهو ساجد وهو من أغرى السفهاء بتعذيب المستضعفين من المؤمنين حتى سمّاه النبي ﷺ “ فرعون هذه الأمة ”.
لكنه رغم صولته وجبروته قُتل شر قتلة في بدر على يد شابين من الأنصار ثم مرّ عليه عبد الله بن مسعود فرآه يحتضر فوضع قدمه على صدره فقال له أبو جهل في لحظاته الأخيرة بكبرياء لا يفارقه حتى عند الموت : “ لقد ارتقيت مرتقىً صعباً يا رويعي الغنم !” فقال له ابن مسعود : “ إنك أذلّ من أن أُفاخر بك ! ” ثم ضرب عنقه .. فكان ذلك نهاية رجلٍ طغى وتجبّر وأيّ نهاية أذلّ من أن يُقتل على يد من احتقرهم طول حياته !!
وبجانبه كان الوليد بن المغيرة أحد أغنى رجالات قريش وأفصحهم لساناً سمع القرآن فقال : “ إن له لحلاوة ، وإن عليه لطلاوة …”
ثم رجع وقال : “ إن هذا إلا سحر يؤثر”، بعد أن خشي على مكانته بين العرب فنزل فيه قول الله : ﴿ذرني ومن خلقت وحيدًا﴾ إلى آخر الآيات فسُجّل اسمه في التاريخ كمن باع الحقيقة بكبريائه !!
وكان أمية بن خلف سيد أهل مكة ينهال بالسياط على سيدنا بلال كل صباح لا لشيء سوى أن قال : “أحدٌ أحد”. ولم يدرِ أن عبده الحبشي سيصبح رمزاً للحرية ويعلو صوته بالأذان من فوق الكعبة بينما هو جثة هامدة تحت سيوف المسلمين في بدر يُطارده صوت بلال حتى في سكرات الموت !!
أما أبو لهب، عمّ النبي ﷺ، فقد تولّى بنفسه حرباً عائلية على الدعوة .. لا يفوّت لحظة إلا ويهين فيها ابن أخيه حتى نزل فيه قرآن يُتلى إلى يوم القيامة : ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ ومات بعد بدر بأيام مهجوراً مكروهاً حتى أن قومه لم يقتربوا من جثته خشية الطاعون فدُفن كالميت النجس !!
ولا ننسى العاص بن وائل الذي كان يستهزئ بالنبي ﷺ إذا فقد أحد أبنائه، ويقول : “إنما محمد أبتر”، فنزل فيه قول الله: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾
وكان معهم النضر بن الحارث الذي كان يأتي بقصص فارس ليلهو بها الناس عن سماع القرآن ويقول : “ أنا أقول مثل ما يقول محمد ”، فنزلت فيه الآيات وقُتل يوم بدر مقيداً بعد أن خاض حرباً بالكلمة ضد الوحي فكأنما قتلته كلماته قبل أن تقتله السيوف !!
ومنهم عتبة بن ربيعة، وهو الوحيد فيهم الذي لاح فيه بصيص من عقل فحين اجتمعت قريش لغزو النبي ﷺ، قال كلمته المشهورة “ يا قوم إن محمداً على حق وإن قاتلتموه فلن تربحوا .. ارجعوا وقولوا جبُنَ عتبة …”
لكنهم لم يسمعوا له فسكت ومضى معهم ومات في أول المعركة فكانت نهايته عبرة لمن يؤخر الحق حتى يذوب في الباطل !!هؤلاء هم كبار قريش ملأوا الأرض ضجيجاً وماتوا في صمت !!
قاتلوا النور .. لكنهم لم يطفئوه حاصروا الصدق لكنه ظل يعلو تجبّروا لكنهم سقطوا واحداً تلو الآخر وما بقي من أسمائهم سوى لعنة تُمثّل الجحود والكِبر في مقابل ذكرٍ طيب لصاحب الدعوة الذي قال الله عنه : ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾.
للتواصل مع الكاتب 96550538538+


