أكد الباحث الدكتوراة – سلمان بن خالد الحجاجي أن ذكرى يوم التأسيس ذكرى مجيدة وغالية علينا جميعا عندما وضع الببته الأولى لهذا الكيان الكبير الإمام محمد بن سعود عام 1727 م بالدرعية حيث لم تكن الدولة السعودية مجرد كيان سياسي بسيط الجغرافيا فحسب بل كانت مشروعاً حضارياً بامتياز اتخذ من العلم ركيزةً للسيادة؛ ففي أزقة الدرعية وبين حواضرها، نبتت أولى بذور الاستثمار في الإنسان حين تحولت العاصمة إلى “محجاً للعقول” يؤمُّها العلماء من كل حدب وصوب، بفضل بيئة الأمن التي وفرتها الدولة ودعمها السخي عبر الأوقاف وبيت المال الذي كان يتكفل بطلاب العلم وسكنهم، وهو ما وثقه المستشرق السويسري “لويس بوركهارت” في شهادته التاريخية بأن الدرعية غدت قلباً نابضاً بالنشاط العلمي يضاهي أعرق الحواضر.
هذا الإرث العريق هو الذي تسلّمه المؤسس الملك عبدالعزيز -طيب الله ثراه- برؤية ثاقبة أدركت أن توحيد الأرض بالسيف لا يكتمل إلا بتوحيد العقول بالقلم، فكان قراره التاريخي بتأسيس “مديرية المعارف” عام 1926م في ذروة مخاض التأسيس، وما تبعها من إطلاق أول بعثة تعليمية للخارج عام 1927م ضمت نخبة من شباب الوطن قاصدين مصر، ليكونوا النواة الأولى لسفراء المعرفة، في إعلان صريح بأن الدولة السعودية الحديثة تؤمن بالعلم كجسر للعبور نحو المستقبل، ناقلاً التعليم من الأروقة التقليدية إلى فضاء المؤسسات النظامية التي أصبحت اليوم صروحاً تناطح السحاب.
وقد استمرت رحلة “توطين المعرفة” عبر جسور الابتعاث التي تعاظمت في عهد الملك عبدالله بن عبدالعزيز -رحمه الله- من خلال “برنامج الملك عبدالله للابتعاث الخارجي” عام 2005م، والذي أحدث حراكاً علمياً واجتماعياً غير مسبوق. ومع تولي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز مقاليد الحكم، انتقل الابتعاث إلى مرحلة “الاستثمار النوعي” برؤية ملهمة من سمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان، الذي أطلق استراتيجية الابتعاث بحلتها الجديدة، لتركز على إلحاق المبتكرين بأفضل 30 مؤسسة تعليمية في العالم، وضمان ريادة سعودية في تخصصات الذكاء الاصطناعي، والطاقة المتجددة، وعلوم الفضاء.
وعلى ذات النهج، انطلقت الجامعات السعودية لتغزو التصنيفات العالمية، حيث تشرق اليوم 20 جامعة سعودية ضمن تصنيف (QS) العالمي، وفي مقدمتها جامعة الملك فهد للبترول والمعادن التي تتبوأ المرتبة 101 عالمياً (وتقدمت للمرتبة 67 في مؤشرات التميز لعام 2026)، كأيقونة في الابتكار والمركز الثالث عالمياً في براءات الاختراع، تليها جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية (كاوست) التي انبثقت كمركز امتياز عالمي لتنتزع المرتبة الأولى دولياً في مؤشر “الاقتباسات البحثية لكل عضو هيئة تدريس” محققةً العلامة الكاملة (100/100)، جنباً إلى جنب مع جامعة الملك سعود التي دخلت نادي الـ 150 الأفضل في تصنيف شنغهاي المرموق، مما يبرهن على أن الباحث السعودي بات مرجعاً علمياً يدخل ضمن قائمة الـ 2% من العلماء الأكثر استشهاداً وتأثيراً عالمياً بوجود أكثر من 1000 باحث سعودي في هذه القائمة النخبوية.
إن هذا الطموح الذي لا يحده سماء، يتجلى اليوم في اكتساح أبناء وبنات الوطن لمنصات التتويج الدولية؛ فمن قلب معرض “آيسف” للعلوم والهندسة، انتزع المنتخب السعودي 27 جائزة تاريخية في قفزة نوعية وضعت المملكة في طليعة دول العالم في الموهبة والابتكار، ليتسامى هذا العنفوان العلمي القوي في عامي 2025 و2026 عبر حصد الذهب في الأولمبيات الدولية للرياضيات والكيمياء والذكاء الاصطناعي. إن هذا التراكم المعرفي انطلق من رؤيةٍ صلبة لِيَطرق أبواب المجد العلمي بدخول العقل السعودي لنادي “جائزة نوبل” المرموق، في إنجازٍ برهن للعالم أن العبقرية السعودية باتت تتولى قيادة العقل البشري وتصيغ مستقبله.
ولم تتوقف الريادة عند هذا الحد، بل امتدت لتصبح المملكة منصة عالمية لتكريم النوابغ عبر “جائزة الملك فيصل العالمية”، التي باتت بوابة ذهبية لنوبل بعد أن فاز أكثر من 75 عالماً من حاصديها بالجائزة السويدية لاحقاً، مما يرسخ مكانة الرياض كعاصمة دولية للعلم والعلماء.
واليوم، نجد أن تلك الإرادة العظيمة التي انقدحت شرارتها الأولى بـ “اللوح والمِداد” في مساجد الدرعية، هي ذاتها الإرادة الفولاذية التي تقود اليوم ثورة الذكاء الاصطناعي وتطرق أبواب الفضاء.
إننا أمام ملحمة وطنية كبرى بطلها إنسانٌ سعوديٌّ همّتُه صلبة كجبال طويق، وجذوره تضرب بمَدَدِها عبر ثلاثة قرون من الشموخ، يستمد حلمه من رؤية طموحة ووطنٍ معطاءٍ رفعهُ، فرفع علم بلاده خفاقاً فوق أرفع منصات التتويج العلمي في العالم.
لا يعرف عن المستحيل إلا خرافة وجدت لتتحطم أمام إرادته، ولا يرتضي بغير كبد السماء مقاماً، جيلٌ آمن أن الصدارة قدرٌ لا يتنازل عنه، فجعل من المعالي ميدانه، ومن المجد عنوانه الأبدي.


