أكد باحث الدكتوراة – سلمان بن خالد الحجاجي أن العلم السعودي ليس مجرد راية مثل كل الرايات تصافح الرياح فوق أسطح المباني بل هو يعتبر العمود الفقري لذاكرتنا الوطنية الخالدة وأضاف الحجاجي قائلا أنها مدونة تاريخية خضراء تختصر في طياتها رحلة وطن شامخ عبر من تيه الشتات إلى هيئة الوحدة مشيرا إلى أنه بالنظر إلى هذا البيرق لا يعني أنه استحضار شعار رسمي فقط بل هو عبارة عن مواجهة حية مع قصة الخلق الوطنية التي صاغت هويتنا ورسخت في وجداننا أن الدولة هي ليست مجرد جغرافيا عابرة بل قيمة ومصير.
وبين الحجاجي أنه منذ أن بدأت ملامح الدولة السعودية الأولى تتشكل في القرن الثامن عشر، ارتبطت الراية الخضراء بفكرة تتجاوز الرمز السياسي، لتكون “الشراع” الذي قاد سفينة مشروع حضاري فريد، يسعى لملمة شتات المجتمع حول “كلمة باقية” ونظام سياسي صلب، ومع كل خطوة للملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن – طيب الله ثراه – كانت الراية “تغزل” من خيوط العزم والشهادة وطناً، حتى غدت صرخة الولادة لكيانٍ شامخ لا يُنكّس هامة ولا يلين قناة.
إن دلالة هذا العلم لا تُستنطق إلا بقراءة “شيفرته” الرمزية العميقة، حيث الشهادة المخطوطة في قلبه — لا إله إلا الله محمد رسول الله – ليست مجرد نص ديني، بل هي “وثيقة الاستقلال الروحي” وإعلان الهوية ومصدر المشروعية القيميّة التي لا تنفد، وهي التي بقيت عبر التاريخ ثابتة لا تتغير، لتؤكد أن الهوية في المملكة ليست موروثاً ثقافياً فحسب، بل أساس بنيتها الحضارية. وفي توازنٍ عبقري نادر، يستقر السيف أسفل الشهادة كـ “حارسٍ للفضيلة” وميزان للعدل، ليخبر العالم أن القوة في هذا الوطن ليست غاية لبغي، بل هي أداة لصيانة القيم وترسيخ النظام؛ فعقيدة راسخة في الأعلى، وقوة عادلة تحميها في الأسفل، تختصر في مشهد بصري واحد فلسفة الدولة السعودية ووجودها.
وقد استقر هذا الشكل في وجدان العالم وذاكرة التاريخ بعد اكتمال ملحمة التوحيد عام 1932م، ليصبح منذ ذلك الحين رمزاً للسيادة وعلامة على الاستقرار السياسي واستمرار الدولة، وصولاً إلى عام 1973م حين صدر المرسوم الملكي الذي ثبّت تفاصيله الفنية احتراماً لما يحمله من قدسية تمنع تنكيسه. لقد كان هذا العلم “شاهداً بصيراً” على كل التحولات الكبرى؛ فمن صهيل خيول التأسيس إلى فضاء الأمم المتحدة عام 1945م، كان يخبر العالم أن “قلب الجزيرة” قد استعاد نبضه الكوني، وظل يكتسب مع كل مرحلة معنى إضافياً؛ فكان رمز الاستقرار في مرحلة البناء، وعلامة التقدم في مرحلة التنمية، وصولاً إلى عصرنا الحالي حيث يمثل الجناح الذي يطير بنا نحو رؤية المملكة 2030.
إن المشاريع الكبرى والقفزات المعرفية والتقنية التي نباهي بها العالم اليوم ليست قطيعة مع الماضي، بل هي الثمار التي نضجت على أغصان تلك الراية الخضراء، فالعلم الذي رافق الأجداد وهم يثبّتون القواعد، يرافق اليوم مشروع التحول الوطني الكبير نحو المستقبل. وفي زمن تتسارع فيه التحولات العالمية، يبرز العلم كـ “مرساة” للانتماء ووعاء رمزي للذاكرة الجماعية؛ يرفرف ليذكر الأجيال بأن هذه الدولة لم تكن حدثاً عابراً، بل مشروعاً ممتداً بدأ بالتوحيد ويستمر بالريادة. إن العلاقة بين العلم والهوية ليست علاقة شكلية، بل هي علاقة الروح بالجسد وسردية تاريخية حية تختصر قروناً من التحولات التي صنعت هيبتنا، ليبقى هذا البيرق خفاقاً في سماء المملكة، يذكّر الأجيال بأن الهوية ليست شعاراً يُرفع، بل عهدٌ يُصان، وأن المجد الذي بدأ تحت لواء التوحيد سيبقى ممتداً ما امتدت السماء فوق هذه الأرض الطاهرة، فسلامٌ على علمٍ حمل ذاكرة التوحيد، وسلامٌ على وطنٍ جعل من رايته وعداً دائماً بالرفعة والخلود.



