لم تعد الرياضة في واقعنا الحالي كما ينبغي أن تكون؛ ساحةً للتنافس الشريف، وبوابةً لتعزيز الروح الرياضية والقيم النبيلة، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى دائرة من المهاترات والنقاشات الجانبية التي يغيب عنها الوعي، ويطغى عليها التعصب والانفعال.
والمؤسف أكثر أن جزءًا من الإعلام الرياضي لم يكتفِ بنقل هذا المشهد، بل أصبح يغديه ويضخّمه، حتى بات الشارع الرياضي يعيش على وقع جدالات عقيمة لا تسمن ولا تفضي الى اي إنجاز.
لقد خرجت المنافسة الرياضية من حدود المستطيل الأخضر، وانتقلت إلى أروقة الشوارع، ومنصات الإعلام بمختلف أشكاله، المقروء والمسموع والمرئي، إضافة إلى وسائل التواصل الاجتماعي التي أصبحت مسرحًا مفتوحًا لكل أشكال التراشق. وبدل أن يكون التركيز على تطوير الأداء الرياضي وبناء فرق قادرة على تحقيق إنجازات عالمية في ضل الدعم اللامحدود من القيادة، أصبح الاهتمام منصبًا على “الانتصار بالكلام”، وعلى تسجيل النقاط في ساحات الجدل، ولو كان ذلك على حساب القيم والأخلاق.
وما حدث في مباراة النصر والأهلي مثال واضح وفاضح على هذا التحول. ففوز أي فريق على الآخر أمر طبيعي ومتوقع في عالم كرة القدم فكلاهما كبير وجدير بالفوز، وقد تتغير النتائج بتغير الظروف والاجواء ، فالأهلي المتوج قاريا يقابل النصر المتصدر محليا ، لكن ما أعقب المباراة كشف عن خلل أعمق واعقد ؛ إذ تم تضخيم فوز النصر على الاهلي ليُقدَّم وكأنه بطولة مستقلة، مع محاولات للتقليل من شأن الطرف الآخر وتاريخه، رغم إنجازاته القارية الواضحة والتي تجير بإسم الوطن.
هذا الطرح يخرج عن إطار التنافس الرياضي، ويدخل في دائرة السخرية والاستهزاء التي لا تخدم اللعبة ولا جماهيرها وفي المقابل، لم يكن رد الفعل من الطرف الآخر من بعض اعلاميي وجماهير الاهلي بالمستوى المأمول، حيث ساير بعض الإعلاميين والجماهير هذا النهج، مما ساهم في اتساع دائرة الجدل بدل احتوائها. وهنا تتضح المشكلة الحقيقية: غياب المعايير المهنية الواضحة في الإعلام الرياضي، وترك المجال مفتوحًا للطرح العاطفي واللاعقلاني غير المسؤول.
إن إصلاح هذا الواقع يتطلب وقفة جادة لإعادة ضبط المشهد الإعلامي الرياضي، من خلال وضع معايير تحكم الطرح، وتعزز المهنية، وتحد من إثارة التعصب. كما يجب إعادة توجيه الاهتمام نحو جوهر الرياضة الحقيقي: التنافس داخل الملعب، والعمل على تطوير المستوى الفني، وبناء منظومة رياضية قادرة على المنافسة عالميًا.
فالرياضة ليست مجرد فوز وخسارة، بل هي رسالة وقيم، وإذا فقدت هذه القيم، فقدت معناها الحقيقي.
للتواصل مع الكاتب Mmmmssss1411@gmail.com


