لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تقنية تُستخدم لتسهيل الحياة اليومية، بل تحوّل إلى عنصر محوري في تشكيل ملامح النظام العالمي، خاصة في مجالات الأمن والدفاع. ومع تسارع الاستثمارات الدولية، أصبح هذا المجال ساحة تنافس استراتيجي بين القوى الكبرى، حيث تسعى كل دولة إلى تحقيق التفوق التكنولوجي بما يضمن لها النفوذ والسيادة.
في أوروبا، يشهد الاستثمار في الذكاء الاصطناعي العسكري نموًا متسارعًا، مدفوعًا برغبة واضحة في تحقيق الاستقلال الدفاعي وتقليل الاعتماد على التكنولوجيا الخارجية، خصوصًا الأمريكية. وقد تضاعفت الاستثمارات في الشركات الناشئة الدفاعية بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة، لتصل إلى مليارات الدولارات سنويًا. ويُعد صندوق الدفاع الأوروبي الآلية الأساسية لدعم الأبحاث والتطوير المشترك، إلى جانب مبادرات الابتكار التي تستهدف الشركات الصغيرة والمتوسطة.
تركّز الاستراتيجية الأوروبية على تطوير أنظمة ذكية متقدمة، مثل الطائرات المسيّرة، وأنظمة القيادة والسيطرة، وتحليل البيانات الاستخباراتية. كما تسعى إلى تعزيز السيادة التكنولوجية من خلال الاستثمار في أشباه الموصلات والبنية التحتية الرقمية. ومع ذلك، لا تزال هناك تحديات تعيق هذا التوجه، أبرزها الاعتماد على التقنيات الأمريكية، والتعقيدات التنظيمية بين دول الاتحاد، فضلًا عن الالتزام الصارم بالمعايير الأخلاقية في استخدام الذكاء الاصطناعي عسكريًا.
في المقابل، تتبنى الصين رؤية أكثر شمولًا، حيث تضع الذكاء الاصطناعي في قلب استراتيجيتها للأمن القومي، بهدف أن تصبح القوة العالمية الأولى في هذا المجال بحلول عام 2030. ويعمل الجيش الصيني على دمج الذكاء الاصطناعي في مختلف العمليات العسكرية، بدءًا من تحليل المعلومات، وصولًا إلى تطوير أسلحة وأنظمة مستقلة قادرة على اتخاذ القرار.
ولا يقتصر استخدام الصين للذكاء الاصطناعي على المجال العسكري فقط، بل يمتد إلى الأمن الداخلي، حيث تُستخدم تقنيات متقدمة للمراقبة وتحليل السلوكيات بهدف الحفاظ على الاستقرار. كما تلعب هذه التكنولوجيا دورًا مهمًا في الأمن السيبراني، من خلال الكشف المبكر عن التهديدات، وتنظيم الفضاء المعلوماتي، وحماية البيانات.
اقتصاديًا، تسعى الصين إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي في التكنولوجيا، خاصة في صناعة الرقائق الإلكترونية، وتقليل الاعتماد على الغرب. وتراهن على أن يسهم الذكاء الاصطناعي بشكل كبير في نمو اقتصادها، مما يعزز مكانتها كقوة عالمية.
ورغم هذا التقدم، يبقى السؤال الأهم: هل يمكن للآلة أن تحل محل الإنسان في الحروب؟ الإجابة، حتى الآن، تميل إلى النفي. فالأجهزة الذكية، مهما بلغت دقتها، تظل أدوات تفتقر إلى الوعي الإنساني والقيم الأخلاقية. الإنسان يظل العامل الحاسم في اتخاذ القرار، خاصة في المواقف المعقدة التي تتطلب حكمًا أخلاقيًا ومسؤولية قانونية.
وهنا تبرز المخاوف الأخلاقية والقانونية المرتبطة باستخدام الذكاء الاصطناعي في المجال العسكري. من أبرز هذه المخاوف مسألة “الأسلحة الذاتية القاتلة” التي قد تتخذ قرارات بالقتل دون تدخل بشري، مما يثير إشكاليات حول المسؤولية: من يُحاسب عند وقوع الخطأ؟ المبرمج، أم القائد، أم الدولة؟
كما تثير هذه التقنيات مخاوف تتعلق بانتهاك الخصوصية، والتوسع في المراقبة، وإمكانية إساءة استخدام البيانات. لذلك، تسعى العديد من الدول والمنظمات الدولية إلى وضع أطر قانونية وأخلاقية تنظم استخدام الذكاء الاصطناعي، وتضمن عدم خروجه عن السيطرة.
في النهاية، يمكن القول إن العالم يقف على أعتاب مرحلة جديدة، تتداخل فيها التكنولوجيا مع السياسة والأمن بشكل غير مسبوق. ورغم أهمية الذكاء الاصطناعي كأداة قوة، يظل الإنسان هو العنصر الأهم، فهو من يطوّر هذه التكنولوجيا، وهو من يحدد كيفية استخدامها. وبينما يستمر السباق نحو التفوق، يبقى التحدي الحقيقي هو تحقيق التوازن بين التقدم التكنولوجي والحفاظ على القيم الإنسانية.
للتواصل مع الكاتبة – 201014594607+


