في عرفات، حيث تتوهّج الأرض بحرارة بلغت 46 درجة مئوية، وتتهادى جموع الحجيج بين الدعاء والسكينة، كانت المناديل الخضراء التي تطوّق أعناق الفتية والشباب من أبناء جمعية الكشافة العربية السعودية، أشبه برسائل طمأنينة تمشي على الأرض، تُخفف عن الحجاج وعثاء الطريق، وتزرع في المشهد الإنساني معاني الرحمة والعطاء.
ففي كل زاوية من مشعر عرفات، يكاد الحاج لا يلتفت يمنة أو يسرة إلا ويجد كشافاً يسابق الزمن لخدمته؛ هذا يرشد تائهاً بلغته أو عبر تطبيق ذكي، وآخر يدفع حاجاً مُسناً على عربة متحركة، وثالث يرفع مظلة فوق رأس حاج أنهكته الشمس، فيما يناول غيره عبوة ماء باردة، أو يرش الماء على رؤوس الحجاج طلباً للتخفيف من وطأة الحرارة.
ولم تعد أعمال الكشافة في موسم الحج تقتصر على الجهد الميداني التقليدي، بل دخلت مرحلة جديدة من العمل الاحترافي المدعوم بالتقنيات الذكية والذكاء الاصطناعي، في صورة تعكس التحول النوعي الذي تشهده منظومة خدمة ضيوف الرحمن في المملكة.
فالكشافون المشاركون في معسكرات الخدمة العامة بمكة المكرمة والمشاعر المقدسة، سخّروا أحدث التطبيقات والمنصات الرقمية للإرشاد، والاستدلال على مواقع المخيمات، والمساعدة في توجيه الحجاج إلى وجهاتهم بدقة وسرعة، مستفيدين من قواعد البيانات والخرائط الذكية وتقنيات التحليل الفوري للمعلومات، بما يُسهم في تقليل حالات التيه والازدحام، ورفع كفاءة الاستجابة الإنسانية والميدانية.
وفي منشآت وزارة الصحة بعرفات، حضر الكشاف السعودي بوصفه شريكاً مسانداً في العمل الإنساني؛ ينظم حركة المراجعين، ويساعد الفرق الطبية والإسعافية في أقسام الطوارئ، ويرافق المرضى بعد تلقي العلاج حتى مقار سكنهم إن احتاجوا لذلك، في صورة تختصر روح المسؤولية الوطنية والعمل التطوعي المنظم.
ويؤكد هذا الحضور الكشفي أن الذكاء الاصطناعي في الحج لم يعد مجرد سباق تقني، بل أصبح نموذجاً إنسانياً متكاملًا تُسخَّر فيه البيانات والتقنيات الحديثة لخدمة الإنسان وراحته وسلامته، ضمن رؤية وطنية جعلت من خدمة ضيوف الرحمن ميداناً دائمًا للابتكار والتطوير.
وبين حرارة الشمس العالية، وضجيج الحشود، وامتداد الطرقات البيضاء في عرفات، ظل أولئك الفتية والشباب بالمناديل الخضراء، يقدمون درساً حياً في العطاء؛ لا ينتظرون شكراً، ولا يبحثون عن صورة، بل يمضون بخطوات ثابتة يحملون رسالة الكشافة السعودية التي تؤمن بأن خدمة الحاج شرف، وأن الإنسان يبقى دائماً محور كل تقنية، وغاية كل جهد.



