أعلم أنّ هذا الموضوع كَتَبَت عنه الأقلام ، وتصدّر الصُحف والمجلّات لأهميته وخُطورته على حياة الأسر والبيوت والمجتمعات الذي دفعني للكتابة مرة أخرى عن هذا الأمر استشعاري بالألم والخطر المُحدِق بنا ، ومُشاهداتي ومُعايشتي لحالات كثيرة لا تستدعي الفراق والطلاق بهذه العُجالة والسُّرعة وعدم الصبر والتأنّي.
والذي دفعني أيضًا لإثارة هذا الموضوع ما بَلَغَني من أحد المُرشدين الطلابيين في إحدى المدارس الابتدائية في مدينة جدة حيث أخبرني أنّ مجموع عدد طلاب المدرسة أربعمائة طالب وعدد ملفات صكوك الولاية والحضانة للطلاب أبناء المُطلّقات مائة وستة وثمانين ملفاً ، يعني نصف عدد طلاب المدرسة تقريبًا يعيشون بعيدين عن آبائهم أو عن أمهاتهم أو عن الإثنين معًا.
حقيقة أفزعني وأحزنني وآلمني هذا الخبر .. إذا كان هذا العدد فى مدرسة واحدة بين آلاف المدارس في بلادنا الغالية.. إذًا كم عدد المُطلّقات وكم عدد الأبناء والبنات ؟ وأردف المُرشد الطلابي قائلًا أزيدك من الأمر سوءًا وألمًا ، أنّ العداوة والحقد بين الزوجين بعد الطلاق بلغت مداها ، وضحيتها الأبناء ، إلى درجة أنّ الأب أو الأم مِمّن لديه الولاية والحضانة تُحذّر المدرسة من السماح من رؤية الأبناء أو التحدّث معهم عندما يطلب أحدهما ذلك من المدرسة.
بالله عليكم .. ماذا سَتُفْرز هذه الظاهرة من نفسيات ومشاعر وآلام لهؤلاء الأبناء ؟ إنّهم فعلًا .. أبرياء يُعاقَبُون بلا ذنب ولا خطيئة
سوف تسكن نفوسهم الكراهية والحقد ، ويمقُتون ويكرهون مشروع الزواج ، والإنجاب ، والأب والأم ، والمجتمع بأكمله يشعرون أنهم ضحايا لِوَالِدَيْن لم يُقدّرا المسؤولية ولم يكترثا بالعَيْش المُؤلم والحياة النكدة والحرمان والأسى والذُّل الذي سيعيشونه ويَكْتوُونَ به بعد انفصالهما.
كان الطلاق في بيوتنا ومجتمعنا في حُكم القلّة والندرة قَلَّ ما تسمع عن حالة طلاق ، وإن حدثت كانت تُحسب هزيمة وعَيْبَة وخَيْبة في حق العائلتين اللّتين لم تتمكنا من الإصلاح بين الزوجين ، وتُحسب أيضًا وصمة في جبين الرجُل والمرأة كونهما نسيا الفضل بينهما ولم يستطيعا أن يُحافظا على حبل الوِد والمودّة والميثاق الغليظ بينهما حتى لو بلغت الخلافات مداها وتعاظمت المُسبّبات ، فكانا يجعلان الأمل والصبر والمُصابرة والتأنّي وعدم المُكابرة ميزان لحياتهما ، كان الحياء والود وتواجد الأبناء حجرة عثرة أمام حدوث هذا الطلاق ، مع ثقتهما بالله أنّ مع الوقت والزمن والعِشْرة تتصافى النفوس وتكبر العُقول وتجفّ عُروق الخلافات والخُصومات وتعود الحياة إلى طبيعتها.
كانت فعلا الأم وما جُبلت وفُطرت عليه من طُول بال ورحابة صدر وحنان ، تُقدّم التضحيات وتغضّ الطرف عن بعض السلبيات ، رغم الضُغوطات والمُنغّصات تصبر وتتحمّل وتحتسب الأجر والثواب ، وتدفع الثمن من أجل صَوْن العِشْرَة والحفاظ على بيتها وعلى أبنائها من التأثّر نفسيًّا والتشتّت والضّياع.
حتى كان يُطلق على هذا الصنف من النساء ( بنات رجال ) اختلف الحال في وقتنا هذا ، تغيّرت قلوب بعض الأمهّات بل بعضها تحجّرت ، وأصبحت تعيش حُبّ الذات والأنانيّة وتسعى جاهدة في اللّحاق بركب الحُريّة والإستمتاع والاستقلالية من منطلق حُبّ الذات والبحث عن حياة أفضل.
وبعض الأزواج ليسوا مع الأسف بعيدين عن هذا الوضع وليسوا بمنأى عن هذا الحال والله المستعان اليوم مع بالغ الأسى والألم والندم أصبح الطلاق ظاهرة بل كارثة قفزت على السطح وظهرت في مجتمعنا بقوة هيّجت النفوس وأرّقت العيون وأذرفت الدموع وأحزنت القلوب وهدمت البيوت وشتّتت الأبناء وضيّعت الحقوق.
ظاهرة التفّت حول البيوت كما تلتف الأفعى حول فريستها تنقضّ عليها تنهش لحمها وتقرض عظمها الكثير من البيوت أصابها هذا النزيف المُقيت وهذا الداء العُضال والمِعْوَل الهدّام الذي هدم وعصف بالبيوت وشتّت الأبناء وزرع الحقد والعداوات بين الأُسَر والعائلات.
في اعتقادي أنّ من بعض دواعي ومسبّبات هذا الأمر هو : وسائل التواصل ، تدخّل الأهل بصورة سلبية ، الاستعجال والعِنَاد ، ضعف الإعداد والتأهيل.
أرى أنّه آن الأوان أن تتدخّل الجهات الرسمية المعنية من الوزارات والمؤسسات ( الشؤون الإسلامية والشؤون الاجتماعية والعدل ودار الإفتاء والإعلام والتعليم وعلماء النفس والاجتماع وغيرهم ) وذلك لدراسة هذه المعضلة والعمل على وضع حد وحلول وإجراءات صارمة لوقف هذا النزيف وحل هذه المعضلة وعلاج هذه الأزمة الاجتماعية والتي ترتّبت عليها افتراق الزوجين وكثرة العداوات بين العائلات وتشتت الأبناء فضلًا عل الخسائر الاقتصادية والمالية الكبيرة.
مع ضرورة إعداد دورات توعية مكثّفة إجبارية للمُقبلين على الزواج لكلا الزوجين قال تبارك وتعالى في محكم التنزيل : ( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُم أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَوَدّةً وَرَحْمَة ).
رحم الله كل بيت تهدّم ، اللّهم ألطف بكل إبن تشرّد وتغرّب وتألّم ، وأصلح يارب حال بيوتنا وبيوت المسلمين أجمعين.
والصلاة والسلام على خاتم النبيين وعلى آله وصحبه في كل وقت وحين.
للتواصل مع الكاتب ٠٥٠٥٣٠١٧١٢


