تنتهي الحلقة الأخيرة من المسلسل، وفيها كواليس التصوير وما دار خلف الكاميرا، وتظهر قائمة أسماء الممثلين وضحكاتهم، وكأنها تهمس في آذاننا برسالة ضمنية: ضحكنا عليكم، وأضعنا وقتكم الثمين. ساعات من أعمارنا قضيناها أمام شاشة براقة، نلاحق أحداثًا مصنوعة، وانفعالات مكتوبة، ونهايات مرسومة سلفًا. ثم نُفاجأ بأن ما ظنناه حقيقة كان وهمًا متقنًا.
والمؤلم أننا لم نكتفِ بالمشاهدة، بل أصبحنا نضيع وقتنا فيما لا طائل من ورائه من الترهات. نصدق كل ما نسمع ونشاهد بسهولة، ونسلّم عقولنا للشاشات بلا تفكير. لا نُعمل العقل، ولا نترك مساحة للتأمل والتمحيص. صرنا نستهلك كل شيء بشراهة: إشاعة، خبرًا، مشهدًا، ترندًا. وهذا الفراغ الفكري هو ما حدا بالبعض أن يستغلنا تجاريًا؛ فهم يكسبون الملايين من مشاهداتنا، ونحن نخسر الكثير: نخسر وقتنا، وتركيزنا، ومالنا، وأحيانًا قيمنا.
وهكذا هي الحياة، تمضي على عجل، خدّاعة برّاقة. تغرينا بزينتها، وتشغلنا بتفاصيلها، حتى نكتشف متأخرين أننا منحنا الكثير مما لا يستحق، وحجبنا الاهتمام عمّا يستحق. صرنا أسرى للّقطة العابرة، والمقطع القصير، والخبر العاجل، فتبلّد إحساسنا بالزمن الحقيقي.
إننا بحاجة إلى وقفة صادقة مع النفس، ومراجعة جادة للمسار. فليس كل ما نمر به أو نشاهده جديرًا بالاهتمام، وليس كل بريق ذهبًا، وليس كل من يظهر على الشاشة ناصحًا أمينًا. الأيام دُوَلٌ؛ مضت لغيرنا بحلوها ومرها، وستمضي لنا، وسنسلّم زمامها لآخرين قادمين. قال تعالى: {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} [آل عمران: 140].
الدنيا أضغاث أحلام، وتجارب متراكمة. والسؤال الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا بصدق: هل استفدنا منها ووعينا دروسها؟ هل تعلمنا أن الزمن لا يعود، وأن العمر أنفاس معدودة، وأن العقل نعمة يجب أن تُستعمل لا أن تُعطّل؟
فلنعد النظر، ولنرتب الأولويات من جديد. لنضع الله نصب أعيننا، ثم أهلنا، وصحتنا، وقيمنا، وما يبقى بعدنا من أثر طيب. لننتقي ما يدخل عقولنا كما ننتقي ما يدخل بطوننا. لنعش بمحبة وتفاؤل، ونتعايش مع بعضنا بسلام. لنكن كالغيث أينما وقع نفع، ننشر عطر الحب بيننا، ونتآخى على الخير، ونتسامح عن الزلل.
فما الحياة إلا رحلة قصيرة، محطاتها مواقف، وزادها تقوى، ورأس مالها الذكر الحسن. فلا تجعلوا كواليسها تخدعكم، ولا بريقها يسرق أعماركم، ولا تُسلّموا عقولكم لتجار الوهم يربحون وأنتم الخاسرون.
لنفق من غفلتنا، قبل أن نكتشف أن العمر مضى، وأننا كنا مجرد مشاهدين لحياة لم نعشها، ومستهلكين لسلعة لم نشترِها، بل دُفع ثمنها من رصيد أعمارنا.
للتواصل مع الكاتب :al.mozine1436@gmail.com


