كثير من الناس يظنون أن السعي يعني الوظيفة أو التجارة أو الدراسة فقط، لكن الحقيقة أن السعي أوسع من ذلك بكثير السعي يبدأ من الفكرة التي تسمح لها أن تسكن عقلك، ومن الكلمة التي تخرج من لسانك، ومن القرار الصغير الذي تتخذه كل يوم دون أن تشعر.
هناك امرأة كانت تعيش سنوات طويلة وهي تشعر أن الحياة لا تنصفها. كانت ترى الآخرين ينجحون، وتراهم يحصلون على فرص جميلة، بينما هي تشعر أن الأبواب مغلقة في وجهها. كانت تشتكي كثيراً من الظروف، ومن الناس، ومن الحظ، ومن الماضي.
وفي يوم من الأيام مرت بصدمة قوية هزت حياتها. خسرت علاقة كانت تعتقد أنها مصدر أمانها، وشعرت بانكسار كبير. في البداية ظنت أن الصدمة هي سبب ألمها، لكنها عندما جلست مع نفسها بصدق بدأت تكتشف شيئاً مختلفاً.
اكتشفت أن الصدمة لم تكن سبب كل شيء، بل كانت كاشفة لما بداخلها.
اكتشفت أنها كانت تسعى دون أن تشعر نحو الخوف أكثر مما تسعى نحو الأمل.
كانت تسقي الشكوك كل يوم وتنتظر الثقة أن تنمو.
كانت تخاف من الفشل أكثر مما تعمل للنجاح.
كانت تمنح الآخرين اهتماماً أكبر مما تمنح نفسها.
كانت تكرر عبارات سلبية عن نفسها منذ سنوات ثم تتساءل لماذا لا تشعر بالقوة.
عندها فهمت معنى قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾.
فالسعي ليس فقط ما تفعله بيديك، بل أيضاً ما تغذيه في قلبك وعقلك.
إذا كنت تسعى يومياً بالغضب، سيكبر الغضب.
وإذا كنت تسعى يومياً بالامتنان، سيكبر الامتنان.
وإذا كنت تسعى بالعلم، سيزداد علمك.
وإذا كنت تسعى بالمحبة، ستجد المحبة تتوسع في حياتك.
بدأت تلك المرأة تغير أشياء صغيرة جداً.
أصبحت تختار كلماتها بعناية.
توقفت عن جلد ذاتها.
بدأت تتعلم مهارات جديدة.
خصصت وقتاً للقراءة.
اهتمت بصحتها.
أصبحت تبتعد عن المجالس التي تستنزفها.
واختارت أن تقترب من الأشخاص الذين يشجعونها على النمو.
في البداية لم يتغير شيء كبير، لكن بعد أشهر بدأت ترى النتائج.
أصبحت أكثر هدوءاً.
تحسنت علاقاتها.
زادت ثقتها بنفسها.
فتحت لها أبواب لم تكن تتخيلها.
عندها أدركت أن الحياة لم تكن تعاقبها، بل كانت تعطيها نتائج ما كانت تسعى إليه طوال تلك السنوات.
ولهذا فإن كل كلمة تقولها هي سعي.
وكل فكرة تكررها هي سعي.
وكل عادة تمارسها هي سعي.
وكل شخص تختار أن تجالسه هو سعي.
وكل دقيقة تستثمرها أو تهدرها هي سعي.
نحن لا نبني مستقبلنا في يوم واحد، بل نبنيه كل يوم من خلال خطوات صغيرة قد لا يراها أحد.
قد لا ترى نتيجة سعيك اليوم أو غداً، لكن الله وعدنا أن السعي لا يضيع.
فازرع خيراً، وتعلم خيراً، وقل خيراً، واعمل خيراً، وأحسن الظن بالله، ثم استمر.
لأن أعظم الإنجازات لم تولد فجأة، بل كانت في الأصل بذرة صغيرة اسمها “سعي”.
ويوماً ما ستلتفت إلى الوراء، وستكتشف أن حياتك الحالية ليست إلا حصاد ما كنت تسعى إليه منذ سنوات.
للتواصل مع الكاتبة m_mrr@


