لطالما ظننت أن أكبر خسارة في الحياة هي خسارة المال أو الفرص أو الأشخاص، لكن مع مرور السنوات اكتشفت أن هناك شيئًا أخطر من ذلك كله. شيء لا ينتزع منك مرة واحدة، بل يأخذ منك يومًا بعد يوم حتى تستيقظ فجأة وتجد أن سنوات كاملة قد مضت.
أكثر شيء سرق سنوات من عمري لم يكن الفشل، ولم يكن نقص الإمكانيات، ولم يكن سوء الحظ. كان انشغالي بما لا أستطيع التحكم فيه. كنت أستهلك ساعات طويلة في التفكير فيما قاله الناس عني، وفي محاولة تفسير تصرفاتهم، وفي البحث عن رضا الجميع، وفي الخوف من الأحكام، وكأن حياتي معلقة على نظرة الآخرين.
كنت أؤجل أحلامي حتى أشعر أنني أصبحت كاملة، وأؤجل خطواتي حتى أضمن النجاح، وأؤجل راحتي حتى ينتهي كل شيء لكن الحقيقة أن الحياة لا تنتظر أحدًا، والعمر لا يتوقف حتى ننتهي من مخاوفنا.
تعلمت أن الإنسان قد يخسر سنوات وهو يراقب حياة الآخرين بدل أن يبني حياته، وقد يخسر سنوات وهو يقارن نفسه بمن سبقوه، أو يلوم نفسه على الماضي، أو ينتظر التقدير من أشخاص لم يطلب منهم يومًا أن يقدروه.
ثم أدركت حقيقة بسيطة غيرت نظرتي للحياة. الوقت الذي تمنحه لما لا يستحق، لن يعود إليك. والطاقة التي تستهلكها في إرضاء الجميع، ستنقص من قدرتك على الاهتمام بنفسك. والعمر الذي تقضيه خائفًا من الخطأ، لن يمنحك فرصة النجاح.
منذ ذلك اليوم بدأت أسأل نفسي سؤالًا مختلفًا. بدل أن أسأل: ماذا سيقول الناس؟ أصبحت أسأل: ماذا سأقول لنفسي بعد خمس سنوات إذا بقيت في مكاني؟
اكتشفت أن أجمل استثمار يمكن أن يفعله الإنسان هو أن يستثمر في وعيه، وفي علمه، وفي صحته، وفي راحته النفسية، وفي علاقته بالله، وفي أحلامه التي تأجلت طويلًا.
لا أستطيع أن أستعيد السنوات التي مضت، لكنني أستطيع أن أحمي السنوات القادمة. وهذا وحده كافٍ ليجعل كل يوم جديد بداية مختلفة.
إذا كنت تقرأ هذا المقال الآن، فتذكر أن العمر لا يُقاس بعدد السنوات، بل بعدد الأيام التي عشتها حاضرًا، متصالحًا مع نفسك، متجهًا نحو أهدافك، لا نحو مخاوفك. فما مضى أصبح درسًا، وما بقي بين يديك هو الحياة التي لا تزال تنتظر أن تعيشها كما تستحق.
للتواصل مع الكاتبة m_mrr@


