بعض الناس يربطون قيمتهم بوظيفتهم فيصبح المسمى الوظيفي جزءٌا من هويتهم، لذلك يظلون يذكرونه في كل حديث حتى بعد سنوات العمل نفسيًا عندما تختزل الهوية في المنصب قد يصبح فقدانه تجربة صعبة، لأن الإنسان يشعر كأنه فقد جزءًا من ذاته لا مجرد وظيفة.
القيمة الحقيقية لا يصنعها اللقب، بل يصنعها ما تحمله من أخلاق، وعلم، وأثر، وخدمات اجتماعية، وعلاقات انسانية، تبقى حتى عندما يتغير المسمى، فالمنصب قد ينتهي أما الشخصية الحقيقية، فهي التي تستمر الناس بحبون شمس الشروق وينسون شمس الغروب المناصب والسلطة، أمور مؤقتة.
المصابيح المحترقة تقاعد مفوض شرطة، وكان قد اعتاد العيش في منزل فاخر مقدم من الحكومة، وبعد تقاعده انتقل إلى منزله الخاص في أحد الأحياء السكنية لكنه كان لا يزال يعتز بمنصبه السابق والذي جعل له مكانة اجتماعية مميزة.
وبعد التقاعد صار يذهب مساءً إلى الحديقة العامة، يجلس وحيدًا لا يتحدث مع أحد، فقد كان يشعر أن من حوله ليسوا في مستواه..!! وفي أحد الأيام جلس إلى جواره رجل مسن وبدأ يتحدث معه بودّ، لكن المفوض لم يهتم بحديثه، بل ظل يتحدث عن نفسه بإفتخار عن منصبه السابق، وإحترام الناسى له، وقال: “أنا أعيش هنا حيث يوجد منزلي الخاص..”
استمر هذا المشهد عدة أيام، حتى بادره الرجل المسن ذات يوم قائلاً : “يا سيادة المفوض هل تعرف المصباح الكهربائي..؟؟
طالما أنه مضيء فهو مهم، لكن عندما يحترق (يتعطل)فلا فرق بين مصباح قدرته 10واط أو 100واط، فكلاهما يصبح بلا نور وأضاف: أنا أسكن هنا منذ خمس سنوات، ولم أخبر أحدًا أنني كنت عضوًا في البرلمان لدورتين..
تغيّر لون وجه المفوض….!!
وأكمل الرجل : الرجل الجالس إلى يمينك كان مديرًا عامًا للسكك الحديدية، والذي أمامك كان فريقًا في الجيش، والذي في الزاوية كان رئيسًا لمجلس إدارة شركة كبرى، ومع ذلك لم يتحدث أيٌّ منهم يومًا عن مناصبه السابقة، ثم قال : “نحن جميعًا هنا، بمن فينا أنت مجرد مصابيح محترقة، وعندما ينقطع التيار، لا فرق بين قائد الشرطة والشرطي العادي.”
جميلة هي الشمس عند الشروق وجميلة هي ايضا عند الغروب لكن الناس يحبون شمس الشروق، وينسون شمس الغروب، هذه هي حقيقة الحياة.
المناصب والسلطة والجاه والألقاب، كلها أمور مؤقتة، وليست هويتنا الحقيقية، فإذا جعلناها أساس حياتنا، فهي لا بد ستنتهي يومًا ما وكما في لعبة الشطرنج.. الملك، والوزير، والفيل، والحصان، والجندي، لكل منهم قيمته أثناء اللعب؛ لكن بعد انتهاء المباراة، يعود الجميع إلى الصندوق نفسه.
وفي النهاية، مهما حصلنا في حياتنا على شهادات، وأوسمة، وجوائز فإن آخر شهادة رسمية نحصل عليها جميعًا هي : شهادة الوفاة وقد يحتفظ بها أبناؤنا أو أحفادنا فترة من الزمن لأغراض إدارية فقط ؛ أما الذي يبقى لنا حقًا فهو أعمالنا الصالحة وأخلاقنا، ومبادئنا ومحبة الناس لنا وأثرنا الطيب بين الناس.
اللهم اغفر لنا ما قدّمنا وما أخّرنا، وما أسررْنا وما أعلنّا، وما أسرفت نفوسُنا وما أنت أعلمُ به منا، أنت المقدِّم
وأنت المؤخِّر لا إله إلا أنت.
للتواصل مع الكاتب KhaledBaraket@gmail.com



