ليس كل من امتلك فرصة انتفع بها، وليس كل من دفع المال حصد النتائج قد يكون لدى شخصين الفستان نفسه، والكتاب نفسه، والدورة نفسها، والهاتف نفسه، والإنترنت نفسه، لكن بعد سنوات ستجد أن حياة أحدهما تغيّرت بالكامل، بينما بقي الآخر في المكان ذاته.
لماذا؟ لأن الفرق لا يكمن في الشيء نفسه، بل في الإنسان الذي يتعامل معه تخيل فتاة تمتلك فستانًا جميلًا منذ سنوات. ظل معلقًا في خزانتها، تلبسه نادرًا، ولا تشعر تجاهه بأي حماس. بالنسبة لها، أصبح قطعة قماش عادية لا تستحق الانتباه. وفي يوم من الأيام، طلبته منها صديقتها لأنها أعجبت به، فأهدته لها بكل بساطة.
ارتدت الصديقة الفستان في مناسبة، ووقفت أمام المرآة بثقة، والتقطت الصور، وخرجت وهي تشعر بجمالها. أصبح ذلك الفستان جزءًا من ذكرياتها الجميلة، وارتبط عندها بالفرح والثقة والسعادة.
عندما رأتها صاحبة الفستان الأولى، قالت في نفسها:” هذا الفستان كان عندي طوال هذه السنوات… لماذا لم أشعر بما شعرت به؟”
الفستان لم يتغير الذي تغير هو طريقة التعامل معه والأمر نفسه يحدث مع المعرفة قد يشتري شخص كتابًا رائعًا عن النجاح أو القيادة، يقرأ منه صفحات متفرقة بعين مشغولة، ثم يضعه على الرف وينساه.
وبعد سنوات يهديه لشخص آخر ذلك الشخص لا يكتفي بالقراءة، بل يضع خطوطًا تحت الأفكار، ويكتب الملاحظات، ويطبق ما يتعلمه، ويعود إلى الكتاب مرة بعد أخرى.
وبعد عشرة أعوام يلتقي بصاحب الكتاب ويقول له: “بعد توفيق الله، كان هذا الكتاب من أسباب تغيير حياتي. بدأت أطبق ما تعلمته، وأنشأت مشروعي، ثم توسعت حتى أصبحت أملك عدة متاجر.”
في تلك اللحظة قد يشعر صاحب الكتاب بالندم، ويتساءل: “لماذا أنا لم أستفد منه رغم أنه كان عندي قبله؟”
والجواب بسيط وعميق في الوقت نفسه لأن امتلاك المورد لا يعني الاستفادة منه.
هناك من يجمع الفرص، وهناك من يصنع منها حياة ولهذا نرى أشخاصًا يمتلكون الإنترنت نفسه، والهاتف نفسه، والذكاء نفسه تقريبًا، لكن أحدهم يحول هاتفه إلى مصدر دخل، ومصدر معرفة، وعلاقات، وفرص، بينما يستخدمه الآخر لساعات طويلة في التصفح العشوائي، ثم يشتكي من ضيق الرزق وقلة الفرص.
المورد واحد لكن طريقة استخدامه مختلفة وهذا ما أراه كثيرًا في الدورات التدريبية قد تلتحق متدربة بالدورة مجانًا، لكنها تدخل كل درس بعقل حاضر، وتطبق، وتجرب، وتخطئ، ثم تعود لتحاول مرة أخرى. وبعد أشهر ترى نتائج حقيقية، وتخبرني أن الدورة كانت نقطة تحول في حياتها.
وفي المقابل، قد تدفع متدربة أخرى قيمة الدورة كاملة، ثم تقول بعد فترة: “دفعت، لكني لم أستفد.” وهنا تظهر حقيقة يغفل عنها الكثيرون: هي دفعت ثمن الدورة، لكنها لم تدفع ثمن التعلّم الحقيقي.
لأن التعلّم الحقيقي له ثمن آخر… ثمن الوقت. وثمن الممارسة. وثمن الصبر. وثمن التكرار. فالمعرفة التي لا تُطبق تبقى معلومات، أما المعرفة التي تُمارس فتتحول إلى مهارة، والمهارة مع الاستمرار تتحول إلى نتائج.
لهذا لا تسأل نفسك دائمًا: “ماذا أحتاج أن أشتري بعد؟” بل اسأل: “ما الذي أملكه اليوم ولم أستثمره كما ينبغي؟” ربما يكون كتابًا على رف. أو دورة في جهازك. أو فكرة كتبتها منذ أشهر. أو مهارة أهملتها.
وربما تكون نقطة التحول التي تنتظرها موجودة بالفعل بين يديك، لكنها تنتظر منك أن تمنحها وقتك، واهتمامك، وعملك فالحياة لا تكافئ من يملك أكثر بل تكافئ من يُحسن الانتفاع بما يملك.
وهذه هي الحكمة التي يصنع بها الناس نجاحاتهم، ويحوّلون أبسط الموارد إلى أعظم الإنجازات.
للتواصل مع الكاتبة m_mrr@


