شكرآ للحمير.
-منذ أن عرف الإنسان معنى الإهانة، وهو يبحث عن أقرب كلمة يطلقها على من يراه غبيًا أو أحمق، فكانت كلمة «حمار» حاضرة بقوة في قاموس الشتائم البشرية.
-لكن ماذا لو اجتمعت الحمير يومًا لتناقش هذه التهمة؟ ماذا لو قررت أن تدافع عن سمعتها، وأن تسأل الإنسان سؤالًا بسيطًا: ماذا فعلنا نحن حتى أصبح اسمنا مرادفًا للغباء؟
-تقول الحكاية إن مجموعة من الحمير اجتمعت، وهي تشكو ما لحق بها من ظلم الإنسان. قال أحدهم: كلما رسب ابنٌ من أبنائهم قالوا له: «أنت حمار»، وكلما أخطأ أحدهم أو بدا غبيًا قالوا عنه: «حمار».
-عندها تدخل كبير الحمير، وقال بهدوء: «اتركوهم… فما فيهم يكفيهم.»
ثم بدأ يسألهم:
هل رأيتم حمارًا يغتاب حمارًا؟
قالوا: لا.
هل رأيتم حمارًا يقتل حمارًا بلا سبب؟
قالوا: لا.
هل رأيتم حمارًا يحقد على حمار آخر لأنه وُلد في مكان مختلف؟
قالوا: لا.
هل رأيتم حمارًا يحرّض جحشًا على أبيه، أو يسعى إلى تفريق أسرة؟
قالوا: لا.
هل رأيتم جماعة من الحمير تقتل الناس وتذبح الأبرياء دون ذنب؟
قالوا: لا.
هل رأيتم حمارًا يسرق حمارًا آخر، ثم يبرر سرقته ويعتبرها شطارة؟
قالوا: لا.
هل رأيتم حمارًا يتعاطى المخدرات ويدمر عقله بيده؟
قالوا: لا.
-هنا قال كبير الحمير: «احمدوا الله أنكم حمير؛ فبعض البشر يرتكبون كل هذه الأفعال، رغم أن الله منحهم عقلًا، وكرّمهم، وجعلهم قادرين على التمييز بين الخير والشر.»
ثم أردف قائلًا: إن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ فلم يقل: وقودها الحمير والحجارة!.
-ولعل المفارقة هنا أن الحمار، الذي أصبح في ثقافتنا رمزًا للغباء، لا يعرف الحقد ولا الحسد، ولا يجلس خلف ظهر أخيه ليطعنه بالكلام، ولا يبحث عن وسيلة لتدمير حياة غيره.
-أما الإنسان، الذي كرّمه الله بالعقل، فقد استطاع أن يحوّل العقل أحيانًا إلى أداة للخصومة والانتقام والكراهية يا معشر البشر أما آن الأوان أن نتوقف عن الحديث من وراء ظهور بعضنا؟
أما آن الأوان أن نكف عن تشويه بعضنا، وأن نطوي صفحات الحقد والحسد والضغائن؟
ما الذي سنجنيه عندما نكره بعضنا؟
وهل سيرتفع شأن أحدنا عندما ينخفض شأن الآخر؟
وهل سيزيد رزقنا إذا حسدنا غيرنا؟
وهل ستطول أعمارنا إذا تمنينا الشر لبعضنا؟
-الحياة أقصر من أن نهدرها في الخصومات، وأثمن من أن نملأها بالحقد وإذا كان لا بد من إطلاق الأحكام، فلننظر أولًا إلى أفعالنا قبل أن نبحث عن عيوب الآخرين.
-فربما نكتشف أن الحمار الذي نسخر منه، ونستخدم اسمه لإهانة بعضنا، أكثر وفاءً وأقل حقدًا وأبعد عن الغدر من بعض البشر.
– فشكرًا للحمير.
فالعبرة ليست بمن يحمل عقلًا… بل بمن يحسن استخدامه.
للتواصل مع الكاتب 0505300081


