الفكرة التي أطرحها في هذا المقال تتجاوز مفهوم الغناء بوصفه صوتاً فقط إلى اعتباره فناً متكاملاً يجمع الصوت والحركة والتمثيل والايحاء اللفظي ولغة الجسد – فلم يعد الغناء في العالم الحديث مجرد صوت جميل وكلمات تؤدىّ أمام الجمهور بل أصبح عرضاً متكاملاً تتحاور فيه الموسيقى مع الحركة والكلمة مع النظرة واللحن مع تعبيرات الوجه والصوت مع لغة الجسد ومن هنا ظهر ما يمكن تسميته بالغناء الحركي الذي من الممكن أدائه فوق المسرح المفتوح وهو النمط الذي يجعل كل جملة غنائية تحمل معها إشارة أو حركة أو نظرة أو إبتسامة أو تعبيراً جسدياً يضيف معنى جديداً إلى الكلمات.
في هذا النوع من الاداء لا يغني الفنان بجسده ساكناً وإنما يجعل جسده جزأً من الآلة الموسيقية فعندما يقول جملة عاطفية قد ترافقها نظرة مباشرة للجمهور وحين تأتي جملة مرحة تظهر الابتسامة وحركة الوجه وحين تصعد الموسيقى تتحرك اليدان والكتفان والجسد بإنسام مع الايقاع وهكذا يصبح الجمهور لا يسمع الاغنية فقط بل يراها ويشعر بها – وهذا ما يجعل الفنانة أو الفنان العالمي الحديث أقرب إلى المغني الممثل في شخصية واحدة فهو لا يكتفي بإيصال النغم وإنما يبني علاقة بصرية ووجدانية مستمرة مع الجمهور.
أما في جزء كبير من التجربة الغنائية العربية فقد ظل الاداء لفترات طويلة أسير نموذج ثابت مطرب يقف في مكانه يمسك الميكروفون ويترك الموسيقى والكلمات تقوم بمعظم المهمة وقد نجح هذا النموذج تاريخياً في إنتاج أصوات عظيمة لكنه الان عند الجيل الحالي والقادم لم يعد كافياً وحده فقد تغيرت أساليب الغناء العالمي الحديث لقد أصبح الجمهور يبحث عن التجربة لا عن الصوت وحده يريد أن يرى الاغنية تتحرك أمامه وأن يشعر بأن الفنان يعيش كل كلمة يقولها ولهذا فإن إستمرار ما يمكن وصفه ” الغناء الصنمي ” أي الوقوف شبه الثابت أمام الميكروفون لم يعد ينسجم دائماً مع تطورات العرض الغنائي العالمي وكثير من الجيل الحالي أنصرف لسماع الاغاني الغربية العالمية الحركية – لكن لا يعني ذلك إلغاء الطرب العربي أو التقليل من قيمة الوقوف أمام الجمهور والغناء بإحساس على العكس المطلوب تطوير الطرب بإضافة عناصر الاداء الحديثة اليه بحيث تظل الكلمة واللحن والصوت في المركز لكن تتحول لغة الجسد إلى لغة رابعة إلى جانب الشعر والموسيقى والصوت.
ومن الممكن أن تبدأ الاغنية العربية الحديثة ببناء قاموس حركي خاص بها حركة تتناسب مع الفرح وأخرى مع الحزن وأخرى مع الشوق ومع التحدي وأيضاً مع الجملة الساخرة أو المرحة ويمكن تدريب المطربات والمطربين على توزيع النظرات والابتسامات وحركات اليدين والوقوف والالتفات والتفاعل الموسيقي بحيث تكون الحركة جزاً من تصميم الاغنية منذ لحظة كتابتها وتلحينها وهنا تظهر أهمية المخرج الحركي أو مدرب الاداء وهو تخصص يحتاج الى حضور أكبر في صناعة الاغنية العربية فكما يوجد ملحن وموزع ومخرج موسيقي يمكن أن يكون هناك متخصص يدرّس كيف تتحول الاغنية إلى عرض بصري – وقد تكون بعض الايحاءات في الاداء الحركي عاطفية أو رومانسية أو درامية لكن نجاحها الحقيقي يكمن في الرقي والذكاء لا في المبالغة أو الابتذال – فالإيحاء الفني لا يعني بالضرورة الايحاء الجسدي الذي يشبه الرقص فقد تكون نظرة واحدة أو إبتسامة قصيرة أو حركة يد محسوبة أكثر تأثيراً من عشرات الحركات المبالغ فيها.
إن الفن العالمي أتجه إلى مخاطبة الانسان من أكثر من حاسة بينما مازال جزء من الغناء العربي يعتمد بدرجة كبيرة على السمع وحده ولذلك فإن تطوير الغناء الحركي العربي يمكن أن يكون فرصة لإعادة تقديم الاغنية العربية بصرياً إلى العالمية مع المحافظة على خصوصيتها الشعرية والموسيقية – نحن لا نحتاج إلى تقليد الفنان الغربي أو إستنساخ تجربته بل إلى إكتشاف لغة جسد عربية معاصرة تنطلق من طبيعة الاغنية العربية وإيقاعاتها وشعرها وشخصية الفنان العربي – فالمرحلة المقبلة قد لا يكون فيها السؤال ” من يملك أجمل صوت ” فقط وإنما من يستطيع أن يجعل الجمهور يسمع الكلمة ويرى معناها ويشعر بها في اللحظة نفسها وهنا يمكن أن يولد جيل جديد من الفنانين العرب مطربات ومطربين لا يقفون أمام الاغنية بل يدخلون داخلها يغنونها بأصواتهم ويمثلونها بوجوههم ويترجمونها بإسجادهم ويتواصلون مع الجمهور بنظراتهم.
إن الغناء الحركي العربي سوف ينقل الفنان من مؤدي للأغنية إلى صانع لها في زمن أصبحت الصورة جزأً أساسياً وأن بقاء المطرب في حالة سكون كامل أمام الميكروفون قد يصبح شيئاً من الماضي بينما سيكون المستقبل لمن يستطيع أن يجمع بين جمال الصوت وقوة الحضور وذكاء الحركة وصدق التعبير وإحترام ذائقة الجمهور.
إن الجيل الحالي اليوم لا يطلب المزيد من الضجيج وإنما يطلب حياةً في الاداء ويريد أن يرى الاغنية وهي تتنفس أمامه وهذا هو التحدي الحقيقي أن تنتقل الاغنية العربية من مجرد أن تُسمع إلى أن تُرى وتُعاش.
للتواصل مع الكاتب 0554231499


